المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٣
و الحرام و ذلك إذا عجز عن الحلال فإذا أخذ لم يكن أخذه أخذ زكاة إذ لا يقع زكاة عن مؤدّيه و هو حرام».
(١) أقول: و ليتورّع العالم من أخذ الزكاة مطلقا ما لم يضطرّ إليه تنزيها لنفسه عن أوساخ أيدي الناس كما مرّ ذكره.
«الرابعة أن يتوقّى مواقع الريبة
و الاشتباه في مقدار ما يأخذ فلا يأخذ إلّا القدر المباح، و لا يأخذ إلّا إذا تحقّق أنّه موصوف بصفة الاستحقاق فإن كان يأخذ بالكتابة أو الغرامة فلا يزيد على قدر الدّين و إن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة المثل، فإن أعطى زيادة أبى و امتنع إذ ليس المال للمعطي حتّى يتبرّع به، و إن كان مسافرا لم يزد على الزاد و كراء الدابة إلى مقصده، و إن كان غازيا لم يأخذ إلّا قدر ما يحتاج إليه للغزو خاصّة من خيل و سلاح و نفقة، و تقدير ذلك بالاجتهاد و ليس له حدّ، و كذا زاد السفر، و الورع ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، و إن أخذ بالمسكنة فلينظر أوّلا إلى أثاث بيته و ثيابه و كتبه هل فيها ما يستغني عنه بعينه أو يستغني عنه نفاسته، فيمكن أن يبدّل بما يكفي و يفضل بعض قيمته، و كلّ ذلك إلى اجتهاده، و فيه طرف ظاهر يتحقّق معه أنّه يستحقّ و طرف آخر مقابل يتحقّق معه أنّه غير مستحقّ و بينهما أوساط مشتبهة، و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و الاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرا، و للمحتاج في تقدير الحاجة مقامات في التضييق و التوسيع فلا ينحصر مراتبه و ميل الورع إلى التضييق و ميل المتساهل إلى التوسيع حتّى يرى نفسه محتاجا إلى فنون من التوسّع و هو ممقوت في الشرع، ثمّ إذا تحقّقت حاجته فلا يأخذنّ مالا كثيرا بل ما يتمّم كفايته من وقت أخذه إلى سنة فهذا أقصى ما يرخّص فيه من حيث أنّ السنة إذا تكرّرت تكرّر أسباب الدخل و من حيث «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ادّخر لعياله قوت سنة»[١]فهذا أقرب ما يحدّ به حقّ الفقير و المسكين، و لو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى، و مذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة و الصدقة مختلفة فمن مبالغ في التقليل إلى حدّ أوجب الاقتصار على قوت يومه و ليلته لنهيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
[١] قال العراقي: أخرجه مسلم و البخاري من حديث عمر و فيهما «يعزل نفقة أهله سنة».