المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩١
و اعدد نعمة غيره عليك مغرما» و من رأى النعمة من غير اللّه فكأنّه لم يعرف المنعم و لم يتيقّن أنّ الواسطة مقهور مسخر بتسخير اللّه إذ سلّط اللّه عليه دواعي الفعل و يسّر له الأسباب فأعطى، فمن تيقّن هذا لم يكن له نظر إلّا إلى مسبّب الأسباب، و يقين مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره و شكره فذلك حركة لسان يقلّ في الأكثر جدواها، و إعانة مثل هذا الموحّد لا تضيع، فأمّا الّذي يمدح بالعطاء و يدعو بالخير فيذمّ بالمنع، و يدعو بالشرّ عند الإيذاء، و أحواله متفاوتة، و من لم يصف باطنه عن رؤية الوسائط إلّا من حيث أنّهم وسائط فكأنّه لم ينفكّ عن الشرك الخفي سرّه فليتّق اللّه في تصفية توحيده عن كدورة الشرك و شوائبه».
(١) أقول: و في هذا المعني ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى:
«وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» [١] قال: «هو قول الرجل لو لا فلان لهلكت و لو لا فلان لما أصبت كذا و كذا و لو لا فلان لضاع عيالي ألا ترى أنّه قد جعل للَّه شريكا في ملكه يرزقه و يدفع عنه، قلت: فيقول: لو لا أنّ اللّه منّ عليّ بفلان لهلكت؟ قال: نعم لا بأس بهذا و نحوه» رواه أحمد بن فهد رحمه اللّه في العدّة [٢] و ينبغي أن لا يمنعه علمه بالتوحيد عن شكر الواسطة، ففي الفقيه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من أتى إليه معروف فليكاف به و إن عجز فليثن فإن لم يفعل فقد كفر النعمة [٣]» و قال الصادق عليه السّلام: «لعن اللّه قاطعي سبيل المعروف قيل: و ما قاطعوا سبيل المعروف؟ قال:
الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره» [٤] و يأتي تمام الكلام فيه في وظائف القابض إن شاء اللّه.
الصفة الرابعة أن يكون متستّرا
مخفيا حاجته لا يكثر البثّ و الشكوى، أو يكون من أهل المروّة و ممّن ذهبت نعمته و بقيت عادته فهو يتعيّش في جلباب التجمّل قال اللّه: «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[١]تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ، إِلْحافاً» [٥]
[١] التعفف ترك السؤال يعنى من أجل تعففهم عن السؤال يظن الجاهل بحالهم أنهم مستغنون.
[١] يوسف: ١٠٦.
[٢] ص ٧٠.
[٣] رواه الصدوق في الفقيه ص ١٦٢ رقم ١٦ و في الكافي ج ٤ ص ٣٣.
[٤] رواه الصدوق في الفقيه ص ١٦٢ رقم ١٧ و في الكافي ج ٤ ص ٣٣.
[٥] البقرة: ٢٧٣.