المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٦
اليد عن المال و شدّة ذلك على نفسه، فإنّ ذلك يضيق الخلق لا محالة، و الثاني رؤيته أنّه خير من الفقير، و أنّ الفقير بسبب حاجته أخسّ رتبة منه، و كلاهما منشؤه الجهل أمّا كراهية تسليم المال فهو حمق لأنّ من كره بذل درهم في مقابلة ما يسوي ألفا فهو شديد الحماقة، و معلوم أنّه ببذل المال يطلب رضى اللّه عزّ و جلّ و الثواب في دار الآخرة و ذلك أشرف ممّا بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل و شكرا لطلب المزيد، و كيفما فرض فالكراهية لا وجه لها. أمّا الثاني فهو أيضا جهل لأنّه لو عرف فضل الفقير على الغني و عرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرّك به و تمنّى درجته فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنّة بعد الفقراء بخمسمائة عام و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «هم الأخسرون و ربّ الكعبة، فقال أبو ذرّ: من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا الحديث»[١]ثمّ كيف يستحقر الفقير و قد جعله اللّه سخرة له[٢]إذ يكتسب المال بجهده و يستكثر منه و يجتهد في حفظه و قد ألزم أن يسلّم إلى الفقير قدر حاجته و يكفّ عنه الفاضل الّذي يضرّه لو سلّم إليه فالغني يستخدم للسعي في رزق الفقير و يتميّز عنه بتقلّد المظالم و التزام المشاقّ و حراسة الفضلات إلى أن يموت فيأكلها أعداؤه فإذن مهما انتفت الكراهية و تبدّلت بالسرور و الفرح بتوفيق اللّه له في أداء الواجب و تقبيضه للفقير حتّى يخلّصه عن عهدته بقبوله منه انتفى الأذى و التوبيخ و تقطيب الوجه و تبدّل بالاستبشار و الثناء و قبول المنّة فهذا منشأ المنّ و الأذى».
(١) أقول: و في الكافي عن الصادق عليه السّلام «قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: من علم أنّ ما صنع إنّما صنع إلى نفسه لم يستبط الناس في شكرهم[٣]و لم يستزدهم في
[١] تمام الحديث كما في مشكاة المصابيح ص ١٦٤ هكذا «عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: هم الأخسرون و رب الكعبة، فقلت: فداك أبي و امى من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا و هكذا و هكذا و هكذا من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و قليل ما هم» و قد مر آنفا عن مصادر عدة.
[٢] قال الجزري: السخرة: التكليف و الحمل على الفعل بغير أجرة.
[٣] يعنى لم يتوقع منهم أن يشكروه. «و لم يستزدهم في مودتهم إياه» يعنى لم يطلب منهم زيادة مودتهم إياه بما صنع إليهم- منه رحمه اللّه-.