المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩٨
بالمناجاة فتحمله لذّة المناجاة بالحبيب على طول القيام و لا ينبغي أن يستبعد هذه اللّذة إذ شهد له العقل و النقل فأمّا العقل فليعتبر حال المحبّ لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه و أمواله أنّه كيف يتلذّذ بالخلوة به و مناجاته حتّى لا يأتيه النوم طول ليله.
فإن قلت: إنّ الجميل يتلذّذ بالنظر إليه، و إنّ اللّه تعالى لا يرى. فاعلم أنّه لو كان الجميل المحبوب و راء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحبّ يتلذّذ بمجاورته المجرّدة دون النظر و دون الطمع في أمر آخر سواه و كان يتمتّع بإظهار حبّه عليه و ذكره بلسانه بمسمع منه و إن كان ذلك أيضا معلوما عنده.
فإن قلت: إنّه ينتظر جوابه فيتلذّذ بسماع جوابه و ليس يسمع كلام اللّه تعالى.
فاعلم أنّه إن كان يعلم أنّه لا يجيبه و يسكت عنه لبقيت له أيضا لذّة في عرض أحواله و رفع سريرته إليه كيف و الموقن يسمع من اللّه تعالى كلّ ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذّذ به و كذا الّذي يخلو بالملك و يعرض عليه حاجاته في جنح اللّيل يتلذّذ به في رجاء إنعامه و الرجاء في حقّ اللّه تعالى أصدق، و ما عند اللّه أبقى و أنفع ممّا عند غيره فكيف لا يتلذّذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات.
و أمّا النقل فتشهد له أحوال قوّام اللّيل في تلذّذهم بقيام اللّيل و استقصارهم لها كما يستقصر المحبّ ليلة وصال الحبيب حتّى قيل لبعضهم: كيف أنت و اللّيل؟ قال: ما رأيته قطّ يريني وجهه ثمّ ينصرف و ما تأمّلته بعد، و قال آخر: أنا و اللّيل فرسا رهان مرّة يسبقني إلى الفجر و مرّة يقطعني عن الفكر.
و قيل لبعضهم: كيف اللّيل عليك؟ فقال: ساعة أنا فيها بين حالين أفرح بظلمته إذا جاء و أغتمّ بفجره إذا طلع ما تمّ فرحي به قطّ.
و قال عليّ بن بكّار: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر.
و قال فضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربّي و إذا طلعت حزنت لدخول الناس عليّ.
و قال أبو سليمان: أهل اللّيل في ليلهم ألذّ من أهل اللّهو في لهوهم، و لو لا اللّيل ما أحببت البقاء في الدّنيا.