المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٥
و لو لا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه، و تارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن و يستدلّ عليه بما يعلم أنّه ما أريد به كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدلّ بقوله عليه الصلاة و السلام «تسحّروا فإنّ السحور بركة» [١] و يزعم أنّ المراد به التسحّر بالذكر و هو يعلم أنّ المراد به الأكل و كالّذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال اللّه تعالى: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» [٢] و يشير إلى قلبه و يومي إلى أنّه المراد بفرعون و هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام و ترغيبا للمستمع و هو ممنوع و قد يستعمله الباطنيّة في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس و دعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزّلون القرآن على وفق رأيهم على أمور يعلمون قطعا أنّه غير مراد به، فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي و يكون المراد بالرأي الرأي الفاسد الموافق للهوى دون الاجتهاد الصحيح و الرأي يتناول الصحيح و الفاسد و الموافق للهوى قد يخصّص باسم الرأي. الوجه الثاني أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة من غير استظهار بالسماع و النقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن و ما فيها من الألفاظ المبهمة و المبدّلة و ما فيها من الاختصار و الحذف و الإضمار و التقديم و التأخير فمن لم يحكم ظاهر التفسير و بادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه و دخل في زمرة من يفسّر بالرأي فالنقل و السماع لا بدّ منه في ظاهر التفسير أوّلا ليتّقي مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع التفهّم و الاستنباط و الغرائب الّتي لا تفهم إلّا بالسماع كثيرة و نحن نرمز إلى جمل منها ليستدلّ بها على أمثالها، و يعلم أنّه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أوّلا، و لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، و من ادّعى فهم أسرار القرآن و لم يحكم التفسير فهو كمن يدّعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب أو يدّعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم و هو لا يفهم لغة الترك فإنّ ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللّغة الّتي لا بدّ منها للفهم و ما لا بدّ فيها من السماع فنون كثيرة:
[١] الخبر رواه البخاري و مسلم عن انس بن مالك في كتاب الصوم و قد مر في المجلد الأول و أخرجه الطيالسي ص ٢٦٨.
[٢] طه: ٢٦.