المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٣
و الأخبار من النهي عن تفسير القرآن بالرأي فلا يخلو إمّا أن يكون المراد به الاقتصار على النقل و المسموع و ترك الاستنباط و الاستقلال بالفهم أو المراد به أمر آخر و باطل قطعا أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه لوجوه:
أحدها أنّه يشترط أن يكون ذلك مسموعا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مسندا إليه و ذلك ممّا لا يصادف إلّا في بعض القرآن فأمّا ما يقوله ابن عبّاس و ابن مسعود من عند أنفسهم فينبغي أن لا يقبل و يقال: هو تفسير بالرأي لأنّكم لم تسمعوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذا غيرهم من الصّحابة.
و الثاني أنّ الصحابة و المفسّرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، و سماع جميعها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محال، و لو كان الواحد مسموعا لترك الباقي فتبيّن على القطع أنّ كلّ مفسّر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه حتّى قالوا: في الحروف الّتي في أوائل السور سبعة أقاويل فقيل: «الر»* هي حروف «الرّحمن» و قيل: إنّ «الألف» اللّه، و «اللّام» لطيف، و «الراء» رحيم، و قيل غير ذلك، و الجمع بين الكلّ غير ممكن فكيف يكون الكلّ مسموعا.
و الثالث أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعا لابن عبّاس و قال: «اللّهمّ فقّهه في الدّين، و علّمه التأويل»[١]فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل و محفوظا مثله فما معنى تخصيصه بذلك؟.
و الرّابع أنّه تعالى قال: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [١] أثبت لأهل العلم استنباطا، و معلوم أنّه وراء السماع، و جملة ما نقلناه من الآثار في فهم القرآن يناقض هذا الخيال، فبطل أن يشترط السماع في التأويل و جاز لكلّ واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه و حدّ عقله».
(١) أقول: التكلّم الممنوع منه في القرآن بغير سماع إنّما هو التفسير الّذي هو عبارة عن كشف المراد عن اللّفظ المشكل أو التأويل الّذي هو عبارة عن ردّ أحد محتملي اللّفظ
[١] أخرجه البخاري ج ٥ ص ٣٤ بلفظ «اللهم علمه الحكمة» و في آخر «علمه الكتاب» و في الاستيعاب في ترجمته: «اللهم علمه الحكمة و تأويل القرآن» و صحح اسناده.
[١] النساء: ٨٣.