المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٠
و العظم و العروق و العصب و كيفيّة شكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس و اليد و الرجل و الكبد و القلب و غيرها، ثمّ إلى ما ظهر فيه من الصفات الشريفة من السمع و البصر و العقل و غيره، ثمّ إلى ما ظهر فيه من الصفات المذمومة من الغضب و الشهوة و الكفر و الجهل، و التكذيب و المجادلة كما قال تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [١]» فيتأمّل هذه العجائب ليرقى منها إلى أعجب الأعاجيب و هو الصفة الّتي منها صدرت هذه الأعاجيب، فلا يزال ينظر إلى الصنعة حتّى يرى الصانع.
و أمّا أحوال الأنبياء عليهم السّلام فإذا سمع منها كيف كذّبوا و ضربوا و قتل بعضهم، فليفهم منه صفة استغناء اللّه تعالى عن الرسل و المرسل إليهم و أنّه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه و إذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة اللّه و إرادته لنصرة الحقّ.
و أمّا أحوال المكذّبين كعاد و ثمود و ما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته و نقمته و ليكن حظّه منه الاعتبار في نفسه و أنّه إن غفل و أساء الأدب و اغترّ بما أمهل فربما يدركه النقمة و تنفذ فيه القضيّة، و كذلك إذا سمع وصف الجنّة و النّار و سائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأنّ ذلك لا نهاية له و إنّما لكلّ عبد منه بقدر رزقه «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» [٢] «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» [٣]، و لذلك قال عليّ عليه السّلام: «لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب» [٤] فالغرض ممّا ذكرناه التنبيه على طريق التفهّم لينفتح بابه فأمّا الاستقصاء فلا مطمع فيه و من لم يكن له فهم ما في القرآن و لو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً» فقال تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» [٥] و الطابع هو الموانع الّتي سنذكرها في معاني الفهم، و قد قيل: لا يكون المريد مريدا حتّى يجد في القرآن كلّ ما يريد، و يعرف منه النقصان من المزيد، و يستغني بالمولى عن العبيد.
[١] يس: ٧٧.
[٢] الانعام: ٥٩.
[٣] الكهف: ١٠٩.
[٤] ما عثرت على أصل له.
[٥] سورة محمد: ١٦.