المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٦
تعدل النفقة في سبيل اللّه الدرهم بسبعمائة درهم و هو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد فله بكلّ أذى احتمله و خسران أصابه ثواب و لا يضيع منه شيء عند اللّه تعالى، و يقال:
إنّ من علامة قبول الحجّ ترك ما كان عليه من المعاصي، و أن يستبدل بإخوانه البطّالين إخوانا صالحين و بمجالس اللّهو و الغفلة مجالس الذكر و اليقظة.
(بيان الاعمال الباطنة)
(و وجه الإخلاص في النيّة و طريق الاعتبار بالمشاهد الشريفة و كيفيّة) (الافتكار فيها و التذكّر لأسرارها و معانيها من أوّل الحجّ إلى آخره) اعلم أنّ أوّل الحجّ الفهم أعني تفهّم موقع الحجّ من الدّين، ثمّ الشوق إليه، ثمّ العزم عليه، ثمّ قطع العلائق المانعة منه، ثمّ شراء ثوب الإحرام، ثمّ شراء الزاد، ثمّ اكتراء الراحلة، ثمّ الخروج، ثمّ السير في البادية، ثمّ الإحرام من الميقات بالتلبية، ثمّ دخول مكّة، ثمّ استتمام الأفعال كما سبق، و في كلّ واحدة من هذه الأمور تذكرة للمتذكّر، و عبرة للمعتبر، و نيّة للمريد الصادق، و تعريف و إشارة للفطن، فلنرمز إلى مفاتحها حتّى إذا انفتح بابها و عرف أسبابها انكشف لكلّ حاجّ من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه، و طهارة باطنه، و غزارة علمه.
أما الفهم
فاعلم أنّه لا وصول إلى اللّه تعالى إلّا بالتنزّه عن الشهوات، و الكفّ عن اللّذّات، و الاقتصار على الضرورات فيها، و التجرّد للَّه سبحانه في جميع الحركات و السكنات و لأجل هذا انفرد الرّهابين[١]في الملل السالفة عن الخلق و انحازوا إلى قلل الجبال و آثروا التوحّش عن الخلق لطلب الانس باللّه فتركوا اللّذّات الحاضرة و ألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقّة طمعا في الآخرة، و أثنى اللّه تعالى عليهم في كتابه فقال: «ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ»[٢]فلمّا اندرس ذلك و أقبل الخلق على اتّباع الشهوات و هجروا التجرّد لعبادة اللّه تعالى و فتروا عنها بعث اللّه تعالى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
[١] جمع رهبان- بالفتح- و هو المبالغ في الخوف كالخشيان.
[٢] المائدة: ٨٢ و القسيس و القس من رؤساء النصارى.