المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٦
ذلك المريد فإنّه ردّ طائره حيّا، فقال الشيخ: مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟ فقال:
لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد فإنّ اللّه تعالى يراني في كلّ موضع، فقال الشيخ: لهذا أميل إليه لأنّه لا يلتفت إلى غير اللّه عزّ و جلّ.
الرابع أنّ الإظهار إقامة لسنّة الشكر و قد قال تعالى: «وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» [١] و الكتمان كفران للنعمة، و قد ذمّ اللّه تعالى من كتم ما آتاه اللّه و قرنه بالبخل و قال: «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» [٢].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا أنعم اللّه تعالى على عبد نعمة أحبّ أن ترى عليه» [٣] و أعطى رجل بعض العارفين شيئا في السرّ فرفع به يده و قال: هذا من الدنيا و العلانية فيها أفضل و السرّ في أمور الآخرة أفضل و لذلك قال بعضهم: إذا أعطيت في الملإ فخذ ثمّ اردد في السرّ.
و الشكر محثوث عليه قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه» [٤].
و الشكر قائم مقام المكافأة حتّى قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فأثنوا عليه به خيرا و ادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه» [٥] و لمّا قالت المهاجرين في الشكر: «يا رسول اللّه ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتّى خفنا أن قد ذهبوا بالأجر كلّه؟ فقال: كلاّ ما شكرتم لهم و أثنيتم به عليهم» [٦] أي هو مكافأة.
فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أنّ ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس اختلافا في المسألة بل هو اختلاف حال، فكشف الغطاء في هذا أنّا لا نحكم حكما بتّا بأن الإخفاء أفضل في كلّ حال أو الإظهار أفضل، بل يختلف ذلك باختلاف النيّات، و يختلف النيّات باختلاف الأحوال و الأشخاص، فينبغي أن يكون المخلص مراقبا لنفسه حتّى لا يتدلّى بحبل الغرور، و لا ينخدع بتلبيس الطبع و مكر الشيطان، و المكر و الخداع أغلب في معاني الإخفاء منه في الإظهار مع أنّ له دخلا في كلّ واحد منهما، فأمّا
[١] الضحى: ١١.
[٢] النساء: ٣٦.
[٣] أخرجه الطيالسي في مسنده ص ٤٠ رقم ٣١٢ باختلاف في اللفظ مع زيادة.
[٤] تقدم آنفا.
[٥] تقدم آنفا.
[٦] رواه الترمذي في صحيحه كما في مشكاة المصابيح ص ٢٦١.