الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - ٢٩٧- التربة الكاملية الجوانية
جدا، حتى أنه بلغت الغرارة ألفا و ستمائة، و صار قنطار الدقيق بسبعمائة و الخبز كل أوقتين إلا ربعا بدرهم، و رطل اللحم بسبعة، و أبيعت الأملاك بالدقيق، و أكلت القطاط و الكلاب و الميتات و الجيف، و تماوت الناس في الطرقات، و عجزوا عن الغسل و التكفين و الاقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار، حتى أنتنت المدينة و ضج الناس، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و في هذه الأيام توفي الشيخ تقي الدين بن الصلاح، شيخ دار الحديث و غيرها من المدارس، فما أخرج من باب الفرج و دفن بالصوفية إلا بالجهد الجهيد، و ما صحبه إلى التربة إلا نحو العشرة أنفس (; تعالى). و لما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالئوا عليه و صالحوا عمه الصالح اسماعيل كاتب الملك المنصور ابراهيم بن أسد الدين شيركوه [١] صاحب حمص فاستماله إليه، و قوى جانب نائب دمشق معين الدين ابن الشيخ، و لكنه توفي في شهر رمضان منها و دفن إلى جانب أخيه عماد الدين بقاسيون، و لما رجع المنصور صاحب حمص عن موالاة اسماعيل الصالح شرع في جمع الجيوش من الحلبيين و التركمان و الأعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية و من حصارهم اياها، فبلغ الخوارزمية ذلك فخافوا من ذلك و عائلته، و قالوا: دمشق ما تفوت و المصلحة قتاله عند بلده، فساروا إليه إلى عند بحيرة حمص، و أرسل الناصر داود جيشه إلى الصالح إسماعيل مع الخوارزمية، فساق جيش دمشق فانضافوا إلى صاحب حمص، و التقوا مع الخوارزمية عند بخيرة حمص، و كان يوما مشهودا، قتل فيه عامة الخوارزمية، و قتل ملكهم بركات خان وجيء برأسه على رمح، و تفرق شملهم و تمزقوا شذر مذر، و ساق المنصور صاحب حمص على بعلبك فتسلمها للصالح أيوب، و جاء إلى دمشق فنزل ببستان سامه خدمة للصالح أيوب، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه، فمات في السنة الآتية، و هي سنة أربع و أربعين، و نقل إلى حمص، و تسلم نواب الصالح أيوب بعلبك و بصرى، و لم يبق للصالح اسماعيل بلد يأوي إليه و لا أهل و لا مال، بل أخذ جميع ماله،
[١] شذرات الذهب ٥: ٢٢٩.