الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - جامع بني أمية
أموالا فامتنعوا، فقال له المغيرة: لا تغتم يا أمير المؤمنين قد دخل خالد بن الوليد من الباب الشرقي بالسيف، و دخل أبو عبيدة بن الجراح من باب الجابية بالأمان، فنماسحهم إلى موضع بلغ السيف، فإن يكن لنا فيه حق أخذناه، و إن لم يكن لنا فيه حق داريناهم حتى نأخذ باقي الكنيسة فندخله في المسجد، فقال له:
فرجت عني فتولّ هذا الأمر، قال فتولاه، فبلغت المساحة إلى سوق الريحان حتى حاذى من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع بالذراع الهاشمي، فإذا باقي الكنيسة قد دخل في المسجد، فبعث إليهم و قال: هذا حق قد جعله اللّه عز و جل لنا، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد أقطعتنا كنائس و بذلت لنا من المال كذا و كذا، فإن رأيت يا أمير المؤمنين ان تتفضل به علينا فعلت، فامتنع عليهم حتى سألوه و طلبوا إليه، فأعطاهم كنيسة حميد بن درة، و كنيسة اخرى إلى جانب سوق الجبن، و كنيسة المصلبة و كنيسة مريم، قال: ثم أن الوليد بعث إلى المسلمين حتى اجتمعوا لهدم الكنيسة و اجتمع النصارى، فقال للوليد بعض القسيسين و الفأس على كتفه و عليه قباء سفرجلي، و قد شدّ بزور قبائه: يا أمير المؤمنين إني أخاف عليك من الشاهد، قال: ويلك ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد، ثم إنه صعد، فأول من وضع فأسه في هدم الكنيسة الوليد و سارع الناس في الهدم، و كبر الناس ثلاث تكبيرات و زادها في المسجد.
و لما بلغ ملك الروم هدمها، كتب إليه: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كان حقا فقد خالفت أباك، و إن كان باطلا فقد أخطأ أبوك، فلم يدر ما جوابه، فكتب إلى الكوفة و إلى البصرة و سائر البلدان أن يجيبوه، فلم يجبه احد، فوثب الفرزدق فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين قد رأيت رأيا فإن كان حقا فخذه و إن كان خطأ فمني، و هو قول اللّه عز و جل وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ الآية. قال: فكتب الوليد إلى ملك الروم فلم يجبه، و أنشأ الفرزدق يقول:
فرقت بين النصارى في كنائسهم* * * و العابدين مع الأسحار و العتم