الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - ٢٩٧- التربة الكاملية الجوانية
خطوب كثيرة، ثم آل الحال في آخر جمادى الأولى من السنة المذكورة الى أن سلم الصالح دمشق الى أخيه الكامل على أن له بعلبك و بصرى، و سكن الأمر، و كان الصلح بينهما على يد القاضي محي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، لأنه كان بدمشق قد قدم في رسالة من جهة الخليفة الى دمشق فجزاه اللّه خيرا، و دخل الكامل دمشق و اطلق الفلك بن المسيري [١] من سجن الحيات بالقلعة الذي اودعه فيه الأشرف، و نقل الأشرف الى تربته شمالي الكلاسة من قلعة دمشق بعد دفنه بها، و أمر الكامل في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع الأموي أن لا يصلي أحد منهم المغرب سوى الإمام الكبير لما كان يقع من التشويش و الخلاف و الاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، و لنعم ما فعل (; تعالى)، و قد فعل هذا في زماننا في صلاة التراويح، اجتمع الناس على قاريء واحد و هو الإمام الكبير في المحراب المقدم عند المنبر، و لم يبق معه إمام حينئذ سوى الذي بالحلبية عند مشهد علي، و لو ترك لكان حسنا، ولد الكامل في سنة ست و سبعين و خمسمائة، و كان اكبر أولاد الملك العادل سيف الدين ابي بكر بعد مودود، و إليه أوصى الملك العادل لعلمه بثباته و كمال عقله و وفور معرفته، و قد كان جيد الفهم، يحب العلماء و يسألهم أسئلة مشكلة، و له كلام جيد على صحيح مسلم، و كان ذكيا مهيبا ذا بأس شديد، عادلا منصفا له حرمة وافرة و سطوة قوية، ملك مصر ثلاثين سنة كاملة، و كانت الطرقات في زمانه آمنة، و الرعايا متناصفة، لا يتجاسر أحد أن يظلم أحد، شنق جماعة من الاجناد أخذوا شعيرا لبعض الفلاحين بأرض آمد، و اشتكى إليه بعض الركبدارية ان استاذه استعمله ستة اشهر بلا اجرة، و احضر الجندي و ألبسه ثياب الركبداري و ألبس الركبداري ثياب الجندي و أمره أن يخدم الركبداري ستة أشهر على هذه الهيئة، و يحضر الركبداري الموكب و الخدمة حتى ينقضي الأجل، فتأدب الناس بذلك غاية الأدب (; تعالى). و كانت له اليد البيضاء في رد ثغر دمياط الى المسلمين بعد أن استحوذ عليه الفرنج، فرابطهم اربع سنين حتى استنقذه منهم،
[١] شذرات الذهب ٥: ٢٢١.