الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - ١٨٢- الخانقاه الناصرية
محمد الفارقي و العماد الكاتب و غيرهما، و قد اسمع و هو في بعض مصافه جزءا و هو بن الصفوف لا بين الصفين و يتبجج بذلك. و قال: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثا، و كان ذلك باشارة العماد الكاتب و كان كريما، جوادا شجاعا، بطلا، كامل القوى و العقل، شديد الهيبة، ضحوك الوجه، كثير البشر لا يتضجر من خير يفعله، افتتح بسيفه و بما قال به من اليمن الى الموصل الى أوائل المغرب الى اسوان. قال الموفق عبد اللطيف: أتيت الشام و كان السلطان صلاح الدين بالقدس، فأتيته فرأيت ملكا عظيما، علا العيون روعة، و القلوب محبة، قريبا بعيدا مجيبا، و أصحابه يتشبهون و يتسابقون الى المعروف، و أول ليلة حضرته وجدت مجلسا محفوفا بأهل العلم، يتذاكرون في أصناف العلوم و هو يحسن الاسماع و المشاركة، و يأخذ في كيفية بناء الاسوار و حفر الخنادق، و يفقه في ذلك، و يأتي بكل معنى بديع، و كان مهتما في بناء سور بيت المقدس و حفر خندقه يتولى ذلك بنفسه، ينقل الحجارة على عاتقه، و يتأسى به جميع الناس الأغنياء و الفقراء و الأقوياء و الضعفاء حتى العماد الكاتب و القاضي الفاضل، و يركب لذلك قبل طلوع الشمس الى وقت الظهر، فيأتي داره فيمد السماط، ثم انه يستريح و يركب وقت العصر و يرجع في ضوء المشاعل و يصرف أكثر الليل فيما يعمل نهارا، و كان يحفظ الحماسة و يظن ان كل فقيه يحفظها، فكان ينشد القطعة فإذا توقف في موضع استطعم فلا يطعم، و جرى له ذلك مع القاضي الفاضل و لم يكن يحفظها فخرج من عنده فلم يزل حتى حفظها، و لما كان شحنة دمشق كان يشرب الخمر، فمذ باشر الملك طلق الخمر و اللذات، و كان محببا خفيفا على قلب نور الدين، يلاعبه بالكرة، و ملك مصر، و كانت وقعته مع السودان سنة بضع و ستين، و كانوا نحو مائتي الف فانتصر عليهم و قتل أكثرهم، و هرب الباقون، و ابتنى سور القاهرة، و قطع خطبة العاضد بمصر، و خطب للمستضيء و مات العاضد و استولى صلاح الدين على القصر و ذخائره، و في سنة تسع و ستين مات نور الدين، و افتتح أخوه شمس الدولة اليمن و قتل المتغلب عليها عبد النبي، و في سنة سبعين سار من مصر و تملك دمشق و دخلها يوم الاثنين سلخ شهر