المناهج الروائية عند الشریف المرتضی - الخطاوي، وسام - الصفحة ١٦٨
والرؤي العقلية والروائية. فنقول ـ وباللّه التوفيق ـ : يعتبر كتاب الذخيرة في علم الكلام من الكتب المهمّة في علم الكلام والشيعي منه بالخصوص ، وقبله قد كتب الشريف المرتضى قدس سرهالملخّص ـ الّذي لازال مخطوطا ـ ولكن هناك بعض الفوارق بين الكتابين ، فإنّ كتاب الذخيرة شديد الاختصار في أوائله تعويلاً على ماجاء في الملخّص ، وفيه بسط في أواخره سدّا للفراغ الموجود بسبب عدم إتمام الكتاب الأوّل. مع امتياز الثاني بشموله على جلّ الأبواب الكلامية من التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد ، وما يتّصل بها من سائر المسائل المبحوث عنها في الكتب المعنية بعلم الكلام. يقول الشريف المرتضى قدس سره في آخر كتاب الذخيرة: «وبين أوائل هذا الكتاب وأواخره تفاوت ظاهر ، فإنّ أوّله على غاية الاختصار، والبسط والشرح معتمدان في أواخره . والعذر في ذلك : أنّا بدأنا بإملائه والنية فيه الاختصار الشديد تعويلاً على أنّ الاستيفاء والاستقصاء يكونان في كتاب الملخّص ، فلمّا وقف تمام إملاء الملخّصـ لعوائق الزمان الّتي لا تملك ـ تغيّرت النية في كتابنا هذا ، وزدنا في بسطه وشرحه، وإذا جمع بين ماخرج من كتاب الملخّص وجعل ما انتهى إليه كأنّه لهذا الكتاب وجه بذلك الكلام في جميع أبواب الاُصول مستوفي مستقصى». [١] في صدر الكتاب قد ذكر اسم الذخيرة هكذا : كتاب ذخيرة العالم وبصيرة المعلم ، وهو من تتمة كتاب الملخّص في أصول الدين » . ويحتوي كتاب الذخيرة على أسمى المناهج الروائية ـ كما يأتي البحث عنها في ذلك مفصّلاً ـ من قبيل ضروب الأخبار ومنهج الخبر المتواتر ، والقياس المنطقي في الأدلّة الاعتقادية ، والاتّفاق على أصل الخبر ، والاختلاف في التأويل. أمّا بالنسبة إلى رسائله فقد خرجت مجاميع أربعة منها وقد احتوت على أغنى
[١] الذخيرة في علم الكلام : ص ٦٠٧.[٢] كشف الحجب والأستار : ١٤، رقم ٧١٤.[٣] لا بأس هنا بتحرير موضوع النزاع في هذه الفقرة الّتي أشار إليها السيّد الكنتوري قدس سره رفعا للتهافت الّذي سوف يرتكز في ذهن القارئ ، ولنرى مقدار صحّة هذه الدعوى من السيّد الكنتوري قدس سره ، فنقول: اختلف في نزاهة الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب ، فذهبت الإمامية : إلى أنّه لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام شيء من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا ، لا قبل النبوّة ولا بعدها . ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفية من الأنبياء عليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها ، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر. يقول الشريف المرتضى قدس سره توفيقا بين الرأيين: واعلم أنّ الخلاف بيننا وبين المعتزلة في تجويزهم الصغائر على الأنبياء ـ صلوات اللّه عليهم ـ يكاد يسقط عند التحقيق ؛ لأنّهم إنّما يجوّزون من الذنوب ما لا يستقرّ له استحقاق عقاب، وإنّما يكون حظّه تنقيص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك ؛ لأنّ أبا عليّ الجبّائي يقول: إنّ الصغيرة يسقط عقابها من غير موازنة، فكأنّهم معترفون بأنّه لايقع منهم ما يستحقّون به الذمّ والعقاب. وهذه موافقة للشيعة في المعنى ؛ لأنّ الشيعة إنّما تنفي عن الأنبياء عليهم السلام جميع المعاصي من حيث كان كلّ شيء منها يستحقّ به فاعله الذمّ والعقاب ؛ لأنّ الإحباط باطل عندهم، وإذا بطل الإحباط فلا معصية إلاّ ويستحقّ فاعلها الذمّ والعقاب، وإذا كان استحقاق الذمّ والعقاب منفيّا عن الأنبياء عليهم السلام وجب أن تنتفي عنهم سائر الذنوب، ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلّقا بالإحباط، فإذا بطل الإحباط فلابدّ من الاتّفاق على أنّ شيئا من المعاصي لايقع من الأنبياء عليهم السلام من حيث يلزمهم استحقاق الذمّ والعقاب، لكنّه يجوز أن نتكلّم في هذه المسألة على سبيل التقدير، ونفرض أنّ الأمر في الصغائر والكبائر على ما تقوله المعتزلة، ومتى فرضنا ذلك لم نجوّز أيضا عليهم الصغائر ؛ لما سنذكره ونبيّنه إن شاء اللّه تعالى ( تنزيه الأنبياء والأئمّة عليهم السلام : ص ٣٤، ٣٥ ) . إذا لا خلاف مع الشريف المرتضى قدس سره في هذه المسألة العقائدية .[٤] القاضي عبدالجبار بن أحمدبن عبدالجبّار الهمداني، كان في أول أمره أشعري الاُصول شافعي الفروع. ثمّ تأثّر بمن حضر عندهم من علماء المعتزلة فتحوّل إلى الاعتزال. ومن جملة من أخذ عنهم إسحاق بن عيّاش المعتزلي المتوفى (٣٣٦ ه) وكان ابن عيّاش هذا من معتزلة البصرة من تلاميذ أبي هاشم الجبائي المتوفى (٣٢١ ه). ثمّ انتقل القاضي المعتزلي إلى بغداد وحضر مجلس أبي عبداللّه الحسين بن علي البصري المتوفى (٤٤٦ ه) مدّة من الزمن ، فكان من أبرز تلامذته حتّى لمع نجمه وطار صيته ، فاستدعاه الصاحب أبوالقاسم إسماعيل بن عباد وزير فخرالدولة البويهي إلى الرأي ، وكان الصاحب واحد زمانه علما وفضلاً وتدبيرا وجودة رأي. فنال القاضي عبدالجبار الحظوة عند الصاحب رحمه الله والمنزلة لديه. ولم يمنع الصاحب مابينهما من الخلاف في المذهب أن يوليه القضاء ويلقّبه بقاضي القضاة ؛ لذلك نرى القاضي عبدالجبّار لم يتق الصاحب رحمه الله ، ولم يتحاشاه ، ولم يرع جانبه ، فأملى آراءه وأقوال مشائخه من المعتزلة في الإمامة بمنتهى الحرية ، وحاول في كتاب الإمامة من المغني أن يفند أقوال الإمامية وعقيدتهم بكلّ ما أوتي من حول وقوة ويشن عليهم حربا شعواء لاهوادة فيها. (انظر : مقدمة الشافي في الإمامة : ج ١ ص ٨ ـ ٩، ١١) .[٥] انظر : مقدمة كتاب الشافي في الإمامة : ج ١ ص ٣٣.[٦] انظر مقدّمة الشافي في الإمامة : ج ١ ص ١٩.[٧] لابدَّ أنّ يعلم أنّ أبا الحسن البصري قد كتب ��دّا على الشافي ، وهناك ردود مطوّلة مهمّة للشارح ابن أبي الحديد المعتزلي في كتابه شرح نهج البلاغة علما أنّ هناك ردّا على جميع إشكالات شرح نهج البلاغة للمحدّث الجليل الشيخ البحراني باسم: سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد ، وهو كبير مخطوط.