المناهج الروائية عند الشریف المرتضی - الخطاوي، وسام - الصفحة ٧٣
والدليل على هذا قوله تعالى: « إِنَّهُو لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَـبٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُو إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ » [١] ، ومنه الحديث: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو» ، وإنّما يريد المصحف. قال أبو بكر: والقول عندنا في تأويل هذا الحديث أنّه أراد: لو كان القرآن في جلد ، ثمّ اُلقي في النار ما أبطلته ؛ لأنّها وإن أحرقته فإنّها لا تدرُسه؛ إذ كان اللّه قد ضمَّنه قلوب الأخيار من عباده. والدليل على هذا قول اللّه تعالى للنبي صلى الله عليه و آله فيما روي عنه : « إنّي منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان » ، فلم يرد تعالى أنّ القرآن لو كتب في شيء ، ثمّ غسل بالماء لم ينغسل ، وإنّما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه . قال: ومثل هذا كثير في كتاب اللّه تعالى وفي لغة العرب ، قال اللّه تعالى : «يَوْمَـلـءِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا» [٢] ، فهم قد كتموا اللّه تعالى لمّا قالوا: «وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ» [٣] ، وإنّما أراد تعالى ولا يكتمون اللّه حديثا في حقيقة الأمر؛ لأنّهم وإن كتموه في الظاهر فالذي كتموه غير مستتر عنه. وبعد هذا الاستعراض السريع لرائدي من رواد المحدثين يقول الشريف المرتضى قدس سره : والوجه الصحيح في تأويل الخبر غير ماتوهّمه ابن قتيبة وابن الأنباريجميعا، وهو أنّ هذا من كلام النبيّ صلى الله عليه و آله على طريق المثل والمبالغة في تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره، والمعنى أنّه لو كتب في إهاب، واُلقي في النار ، وكانت النار ممّا لا تُحرِق شيئا لعلو شأنه وجلالة قدره لم تحرِّفه النار.
[١] الواقعة: ٧٧ ـ ٧٩.[٢] النساء: ٤٢.[٣] الأنعام: ٢٣.