المناهج الروائية عند الشریف المرتضی - الخطاوي، وسام - الصفحة ٦٩
سماء الآداب العربية كالنجوم، وأرست قواعدها كالأطواد، وعمّرت بها مجالس العلماء ، وسوامر الاُدباء ، وتدارسها المتأدّبون جيلاً بعد جيل ، وتداولها النسّاخ، وعُدّت في مكتبات الدارسين من أكرم الذخائر وأنفس الأعلاق. وهي مجالس مختلفة، أملاها في أزمان متعاقبة ، تنقل فيها من موضوع إلى موضوع، ومن غرض إلى آخر ، اختار بعض آي القرآن الكريم ، ممّا يغمّ تأويله على الخاصّة بل العامّة ، ويدور حولها السؤال، ويُثار الاستشكال، وعالج تأويلها وتوجيهها على طريقة أصحابه من المعتزلة [١] ، أو أصحاب العدل كما كان يسميهم ، وحاول جهده أن يوفِّق بين تأويل الآيات المتشابهة، وما دار على ألسنة العرب من نصوص الشعر واللغة ، وفي هذا أبدى تفوّقا عجيبا ، وأبان عن ذهن وقّادٍ ، وذكاء متلهبٍ ، وبَصَر نافذٍ ، وأعانه فيما فسّر وأوّلَ ووجّه وفرة محفوظه من الشعر واللغة ومأثور الكلام . وكان الطابع الّذي يغلب عليه عرض الوجوه المختلفة ، والآراء المحتملة، مجوّزا في ذلك إمكان الأخذ بالآراء جميعا . وترجع قيمة ما عرض له الشريف في هذا المجالس من تأويل الآيات إلى أنّها تعدّ صورة لتفسير القرآن الكريم عند علماء المعتزلة ، ممّا لم يصل إلينا من كتبهم إلاّ القليل النادر. واختار أيضا طائفة من الأحاديث الّتي يختلف العلماء في تأويلها ، ويبدو التعارض فيما بينها ، وحاول تفسيرها وتأويلها ، بالمنهج الّذي عالج به تأويل آي القرآن ، مستعينا بشواهد الشعر واللغة ، موضّحا مذهب أصحابه من أهل العدل؛ مُدليا بحجّتهم على من خالف تأويلهم من جماعة أهل السنّة، أو أهل الجبر كما كان يسميهم ، وناقش ابن قتيبة وأبا عبيد القاسم بن سلام وابن الأنباري في ذلك على الخصوص.
[١] قمت أنا وأخي الاُستاذ الفاضل خزعل غازي ـ حفظه اللّه ـ بعمل إحصائي شامل وكامل للآيات الكريمة في كتب الشريف المرتضى قدس سره البالغ عدّة مجلّدات ومن خلاله وجدنا الأثر الخصب للرواية في تفسيره للقرآن الكريم. وقد تضمّن تفسيره عددا كبيرا من الأحاديث والأخبار الّتي رويت عن النبيّ والأئمّة عليهم السلام ، وقد اعتمدها قدس سرهعند تفسيره للآيات القرآنية ، وأعطاها اهتماما خاصّا ، ولا سيّما أنّ تلك الأخبار قد جاءت بصدد توضيح آيات الكتاب العزيز ، وتفسير معانيه ، وبيان مقاصده ومراميه.[٢] في هذه العجالة لا نريد ردّ هذا الاُستاذ في هكذا مزاعم ونأمل أن نطرح ذلك في مقدّمة التفسير إن شاء اللّه تعالى .[٣] أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد ) : ج ١ ص ١٨ ـ ٢٠ من المقدّمة .