الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣ - الأمر الثالث في بيان الفرق بين «الضرر» و «الضرار»
يكون فعل الاثنين لكنّه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات الناهية عن الضرار، و لم يكن الفعل هناك إلّا من جانب واحد، قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) (التوبة/ ١٠٧)، فكان الاضرار من جانب المنافقين فحسب، كما لم يكن هنا اضرار من باب الجزاء أصلًا. و قال سبحانه: (وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً) (البقرة/ ٢٢١)، و المقصود رجوع الزوج إلى المعتدة بقصد الاضرار. و قال سبحانه: (وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) (الطلاق/ ٦)، أي لا تضيّقوا عليهنّ بالنفقة.
و قال عزّ من قائل: (وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ) (البقرة/ ٢٨٢)، و لم يكن هناك إلّا اضرار من جانب واحد لا من الجانبين، كما أنّ الضرر الواقع لم يكن إلّا ابتدائياً لا مجازاة.
و يؤيّده ما قاله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في مورد سمرة، إذ لم يكن من الأنصاري إلّا الشكوى لا الاضرار الجزائي و لا غيره.
و ما اشتهر من كون باب المفاعلة فعلًا للاثنين، هو أن يكون كل من الفاعلين، فاعلًا و مفعولًا مثل «ضارب زيد عمراً»، غير تام، لما عرفت عدم ثبوت ذلك، و أنّه ربّما يكون الفعل وارداً من جانب واحد دون الآخر.
ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الخوئي (قدس سره) أنّ المقصود من كون باب المفاعلة للطرفين هو أن يصدر الفعل من واحد و يقع على الآخر فقط. ثمّ حاول ردّ ذلك و قال:
«إنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادّة و كون الفاعل بصدد إيجاد الفعل، و أقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:
فمنها قوله سبحانه: (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) (البقرة/ ٩).