الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٤ - الطائفة الثانية في مورد الافطار لأجل المرض
و ربما يناقش في ذلك و يقال: بأنّ ملاحظة مجرّد هذه الأحاديث و إن كانت ربّما توجب استشعار الحرمة لمطلق ما كان مضرّاً إلّا أنّ الرجوع إلى سائر الأدلّة من الرّوايات بل الآية المباركة يرفع هذا الاستشعار و الاستدلال فإنّها تدلّ على أنّ سرّ حرمة الصيام على المرضى هو أنّ اللّه تعالى قد أهدى إلى عباده المرضى و المسافرين هديّة الافطار ... فإذا صام المريض ردّ هدية اللّه تعالى ردّاً عمليّاً فكان صيامه بما أنّه ردّ لهديّة اللّه معصية و كان الافطار له واجباً، و عليه فليس ايجاب الافطار للمريض إذا أضرّ به الصيام دليلًا على حرمة ايراد الضرر بالنفس بل ايجاب الافطار على المريض كايجابه على المسافر من باب واحد.
يلاحظ عليه: صحيح أنّ الظاهر من الآية و صريح الحديث هو أنّ حكم الافطار للمسافر و المريض هديّة و امتنان و صدقة من اللّه إلى العباد، إلّا انّنا نعلم بأنّ أحكام اللّه سبحانه على العموم و منها امتناناته ليست اعتباطيّة، بل ناشئة عن حكمة الهيّة بالغة ترتبط بجلب المنافع و المصالح للعباد أو دفع المضارّ و المفاسد عنهم. و هذه الحكمة تارة تكون تعبّدية لا يفهمها البشر و عليه أن يتعبّد بها، و تارة تكون واضحة للإنسان بايحاء عقله أو باشارة النصوص إلى وجهها.
و ما نحن فيه من القسم الأخير فإنّ اللّه سبحانه رفع وجوب الصّوم عن المريض و المسافر لما يلاقيان عادة و نوعاً من الحرج و الضّرر و المشقّة بسببه فامتنّ اللّه عليهما برفع هذا الوجوب و قد أشار سبحانه إلى وجه العلّة أو الحكمة لهذا الحكم في نفس الآية بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ( [١])، و لو لا أنّ في تحمّل الحرج و الضرر حزازة و مفسدة لا يرتضيها اللّه سبحانه للإنسان لما صدر ذلك الامتنان منه برفع وجوب الصوم عن المسافر و المريض، و خاصّة بالنسبة إلى الأخير، فانّ المسافر وجب عليه الافطار لصرف عذر السفر و إن لم يكن سفره حرجياً و موجباً للعسر، و لكنّ المريض الذي جاز له الافطار بل وجب عليه هو خصوص المتضرّر منه، و أمّا القادر على الصّوم أي الذي لا يوجب الصوم فيه شدّة أو طول
[١] البقرة/ ١٨٥.