الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٤ - تحليل نظرية السيّد الأُستاذ
تحليل نظرية السيّد الأُستاذ:
لا يخفى أنّ في ما ذكره (قدس سره) نظر، من جهات:
أمّا أوّلًا: فإنّ منصب الحكم و إن كان لا ينفك عن نصب و عزل و أمر و نهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه، إلّا أنّ الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية و لا تدخل تحت ضابطة، و تختلف صورها باختلاف الظروف، كعزل وال و نصب آخر مكانه، و ما يرجع إلى كيفيات القتال، و حبس المتّهم أو إطلاقه، و عقد اتّفاقيّة مع قوم أو نقضها، و كتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجرين، إلى غير ذلك من الأُمور التي يلزم تنفيذها حفظاً للأحكام الكلّية الإلهيّة و صيانة لها. و بما أنّ تلك الأحكام المزبورة لا تدخل تحت ضابطة خاصّة، و ربّما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء و أُخرى النهي عنه، و قد جاء الوحي الإلهي ملزماً بتنفيذ ما أتى الرسول به و ما نهى عنه قائلًا: (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/ ٧)، فالمولى سبحانه فوّض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية بل في إطار مصلحة الأُمّة مع عدم مخالفة ما يأمر و ينهى للأحكام الكليّة الشرعية. و قوله سبحانه: (وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب/ ٣٦)، راجع إلى القضاء في هذه الموارد.
و أمّا الأحكام الكلية، كالنهي عن الضرر و الضرار، و الحرج و المشقّة، التي لا تختصّ بمكان دون مكان و لا زمان دون زمان، حيث إنّ الاضرار قبيح و الإيقاع في الحرج لا يوافق الفطرة، ففي مثلها يكون الحكم إلهياً ناشئاً من ملاحظة المصالح و المفاسد الكلية دون الوقتية و الزمنية، لا حكماً سلطانياً صادراً عن المنصب الموهوب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).