الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٩ - الاستدلال بالعقل
هذا، و قد ناقش المحقّق الخوئي (قدس سره) في دلالة العقل على المقصود بقوله:
«إنّ العقل لا يرى محذوراً في إضرار الإنسان بماله بأن يصرفه كيف يشاء بداع من الدّواعي العقلائيّة، ما لم يبلغ حدّ الاسراف و التبذير، و لا بنفسه بأن يتحمّل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت عليه سيرة العقلاء، فانّهم يسافرون للتجارة مع تضرّرهم من الحرارة و البرودة بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر». ( [١])
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أمثلة للضرر حيث كان فيها أغراض عقلائية كالتجارة و غير ذلك خلاف الفرض. لأنّ المفروض هو انّ مجرّد الاضرار بالنّفس بلا اقترانه بداع عقلائي هل هو حرام أم لا؟
و أمّا وجود الدّاعي العقلائي فلا يرفع حرمة الاضرار الضئيلة فحسب كتحمّل الحرارة و البرودة بل يرفع حرمة الاضرار الكبيرة أيضاً، حتى مثل قطع الأعضاء و اتلاف الأموال بل تعريض الإنسان نفسه للتّلف، بل قد يصبح تحمّل تلك الاضرار الفادحة واجباً في بعض الأحيان كما إذا توقّف الدفاع عن الدين و بيضة الإسلام و المسلمين عليه.
و ذلك لأنّ الدّواعي العقلائية و الشّرعيّة تجبر الضرر و تسبّب تداركه بها و حينئذ لا يرى العقل محذوراً في اضرار الإنسان بنفسه و ماله، و لكنّ هذا العقل يرى كلّ المحذور في تحمّل الاضرار حتّى ما دون اتلاف النفس و قطع الأعضاء إذا لم يكن بداع عقلائي.
نعم لا يبعد القول بعدم حرمة الاضرار اليسيرة لعدم اعتناء العقلاء بها. اللّهمّ إلّا أن تكون مصداقاً للإسراف و التبذير أو اللغو فانّها تكون منهيّة عنها بحكم الأدلّة النقليّة.
[١] مصباح الأُصول: ٢/ ٥٤٨ و ٥٤٩.