الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥ - تحليل نظرية السيّد الأُستاذ
و يؤيد ذلك: أنّ في قصة سمرة أحكاماً سلطانية لها طابع الجزئية و الوقتية، كأمره بالاستئذان و قلع الشجرة و رميها في وجهه، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد. و أمّا قوله: «لا ضرر» فهو حكم إلهي له طابع الكلّية و الدوام و هو المصحح للأوامر السلطانية الجزئية.
و ثانياً: إنّ الأوامر السلطانية إنّما تتعلّق بموضوعات ليست لها أحكام شخصية بسبب جزئيتها، و أمّا الموضوعات التي قد سبق من الشارع جعل الحكم لها و تحريمها فلا معنى لجعل حكم سلطاني عليها. و هذا كالضرر، فقد عرفت تضافر آيات الكتاب و روايات السنّة على حرمتها. و على ضوء هذا، ينسبق إلى الذهن، أنّ الرسول الكريم كان بصدد الإشارة إلى الحكم المعلوم المتضافر.
و ثالثاً: إنّ ما ذكره لا يصحّ في حديث الشفعة، فانّ الظاهر من توسيط قوله «لا ضرر و لا ضرار» بين الكلامين أنّ هذه القاعدة الإسلامية صارت سبباً لتشريع حق الشفعة للشريك، و لم يكن في البين أيّة أرضية صالحة لصدور حكم سلطاني، و إنّما قضى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالشفعة بين الشركاء دفعاً للضرر و الضرار.
أضف إلى ذلك أنّ تفسير النفي بالنهي خلاف المتبادر في هذه الموارد كما لا يخفى. ( [١])
إلى هنا ظهرت حقيقة الآراء و النظريات الّتي قيلت في القاعدة، و قد عرفت أنّ الكلّ لا يخلو من علّة أو علّات، و أمّا مختارنا فيها فإليك بيانه:
[١] و يضاف إلى ما ذكره شيخنا في تحليل كلام استاذه، بأنّه لو سلّم اندفاع جميع الاشكالات الّتي ذكرها حول تلك النّظريّة، فإنّها تقبل إذا كانت أدلّة القاعدة منحصرة بقضيّة سمرة و حديث اقضية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المروي عن عبادة بن الصّامت. و لكن حيث اثبتنا في بحث «الضّرر و الضّرار في السّنّة» عدم انحصارها بهما و أنّ هناك عشرات الأحاديث قد وردت في عشرات المجالات من العبادات و المعاملات، و كلّها تشير إلى مضمون القاعدة و لم يوجد في أكثرها رائحة الأوامر و النّواهي السّلطانية، فلا يبقى مجال لقبول تلك النّظريّة.