الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢ - الأمر الأوّل في ورود القاعدة في غير حديث سمرة
و إن شئت قلت: إنّ مقتضى الجمع بين الحقّين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. و لعلّ قوله: «لا ضرر» إشارة إلى كلا «الضررين» المقصودين في المقام، أو أنّه إشارة إلى تجويز إبطال بيعه، و أمّا أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقّين. هذا كلّه حول الشفعة.
و أمّا الحديث الناهي عن نقع الماء ( [١])، فقد ردَّ عليه أيضاً بوجهين:
الأوّل: أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل ماله عن الغير. إذ من الواضح أنّ ذلك لا يعدّ ضرراً على الغير، غايته عدم الانتفاع به.
الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة. ( [٢])
و الوجهان من حيث الضعف كالسابقين:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية- خصوصاً يوم ذاك- كانت مقرونة بالضيق و المشقّة، و كانت الآبار قليلة و التمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي و لو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام و المواشي للهلاك و الدمار، لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي و الانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.
و بذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل و حرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. و قد أفتى بهذا، الشيخ في المبسوط و ابن زهرة في الغنية، و نقله العلّامة عن ابن الجنيد في المختلف. و القول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين، و لا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق، و صاحب الدابة على بذل العلوفة لها، و الرجل لعائلته.
[١] على اختلاف النسخ ففي بعضها (نفع الماء).
[٢] مصباح الأُصول ج ٢، ص ٥٢١- ٥٢٢.