الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٥ - تحليل هذه النظريّة
لتنزيله منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بوجوب تداركه. و إن شئت قلت: الضرر المتدارك غير الضرر المحكوم بوجوبه.
و الظاهر وجاهة الإشكال، فانّ الضرر لو كان فعلًا للشارع لصحّ الحكم بعدمه بحكم الشارع بجبره و تداركه. و أمّا إذا كان فعل المكلّف، فلا يصح تداركه بحكم الشارع، فانّ المتدارك به يجب أن يكون من سنخ المتدارك. فلو حكم الشارع بجواز قتل الرجل إذا قتل امرأة، فانّه يتدارك مثله بدفع أولياء المرأة نصف الدية إلى ورثة الرجل. أو حكم بقتل العشرة المشتركين في قتل واحد، فانّه يتدارك مثله بايجاب دفع تسعة أعشار الدية إلى ورثة كل واحد. و أمّا إذا كان الضرر من المكلّف، فلا يتدارك مثله بحكم الشارع و إنشائه.
نعم، لو كان النفي ناظراً إلى عالم التشريع فقط كان لما ذكره وجه، و لكنّه خلاف الظاهر حيث ورد ردّاً لعمل سمرة كما عرفت.
أضف إليه أنّ ذلك المعنى لا يفي بما هو المتعارف بين المتأخّرين من التمسّك به في باب العبادات إذ ليس في الأمر بالوضوء الضرري أو الحج الضرري أي تدارك فيلزم عدم صحة التمسّك به في تلك الأبواب.
إلى هنا تمت النظريات الثلاث المشتركة في حمل الهيئة التركيبية على النفي دون النهي و تصحيح الاخبار عن عدم الضرر بوجه من الوجوه.
و هناك نظريتان مبنيتان على كون النفي بمعنى النهي.
إحداهما: ما نقلها الشيخ في الرّسائل و أوعز إليها المحقّق الخراساني في الكفاية، و اختارها شيخ الشريعة الاصفهاني ( [١]) في رسالته التي عملها في تبيين
[١] هو الشيخ فتح اللّه بن محمّد جواد الاصفهاني الملقّب بشيخ الشريعة ولد سنة ١٢٦٦ و توفّي ١٣٣٩ ه-. و هو فقيه إماميّ، من كبار المشاركين في ثورة العراق الأُولى على السلطة الأجنبيّة. أصله من شيراز، من أسرة تعرف بالنّمازيّة، و منشؤه باصبهان. تفقّه و قرأ علوم العربيّة. و انتقل إلى النجف فانتهت إليه رئاسة علمائها.
و برز اسمه في ثورة العراق أيّام الاحتلال البريطاني (سنة ١٩٢٠ م) و تناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها. و كان في بدئها عوناً لآية اللّه «محمّد تقي الشيرازي» و بوفاة الشيرازي (سنة ١٣٣٨ ه-) انتقلت إليه الزعامة و انتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف.
و توفّي الاصبهاني بالنجف. له في فقه الإماميّة رسالة في «إرث الزوجة من ثمن العقار» و رسائل أُخرى و حواش.
راجع كتاب الأعلام، خير الدين الزّركلي ج ٥ ص ١٣٥؛ و مقدمة كتاب في أحكام الخيار لوالد شيخنا الاستاذ- - و قد كان والده من تلاميذه الخاصة به.