الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٨٦
لمكان اللام فإنّها ظاهرة في الملكية فتكون دالّة على عموم الملكيّة للإمام، وتكون الروايات الاخرى الدالّة على ثبوت ملكيّة خاصّة في الأراضي مخصّصة لها، فتخرج هذه، ويبقى الباقي مشمولًا لتلك الأدلّة العامّة.
وهذا القول يمكن نسبته إلى أكثر الفقهاء، بل المشهور، خصوصاً من قال بالملكيّة الخاصّة في الأراضي، واستند في بعض أقسامها إلى الروايات الدالّة على عموم الملكيّة للإمام [١]).
٢- إبقاء الروايات المذكورة على ظواهرها الدالة على ثبوت الملكيّة الاعتباريّة للإمام في جميع الأراضي كالقول الأوّل، لكن مع جعل الملكيّة المذكورة ملكيّة أصليّة، وملكيّة الناس لبعض أقسامها ملكيّة تبعيّة وفرعيّة، وذلك على نحو ملكيّة السيد للمال الذي وهبه لعبده- بناءً على أنّ العبد يملك- فإنّ ملكيّة السيد للمال لا تنقطع بذلك. فهناك ملكيّتان اعتباريّتان: إحداهما: ملكيّة السيد للمال، والاخرى: ملكيّة العبد له، غير أنّ هاتين الملكيّتين ليستا واقعتين في عرض واحد بل إحداهما واقعة في طول الاخرى وأضعف منها. فكذلك ملكيّة الإمام لعموم الأرض وملكيّة الناس لبعض أقسامها هما ملكيّتان اعتباريّتان: الاولى:
أصليّة قويّة، ثابتة في أصل الشرع، والاخرى: ضعيفة، ثابتة شرعاً بعد حصول سببها الخاصّ، ومتفرّعة على الاولى، وواقعة في طولها.
ولهذا السبب كان من حقّ الإمام متى عطّلت الأرض أو تركت أن ينتزعها ويقبّلها ممّن يقبلها بالقيمة التي يشاء.
وهذا القول احتمله الشيخ الأنصاري [٢])، وذهب إليه المحقّق الهمداني والشيخ الحائري»
، بل ربما يظهر من المحدّث
[١] انظر: التذكرة ٢: ٤٠٠ (حجرية). رسالة الأرض المندرسة (رسائل المحقّق الكركي) ٢: ٢٠٤. الروضة ٧: ١٣٨. كفاية الأحكام ٢: ٥٤٤- ٥٤٥. الغنائم ٤: ٣٧٦. مستند الشيعة ١٠: ١٤٧. حاشية المكاسب (اليزدي) ١: ٢٢٢- ٢٢٤.
[٢] الخمس (تراث الشيخ الأعظم): ٣٨٦.
[٣] قال المحقق الهمداني: «فقضية التعبّد بظاهر هذه الروايات هو الالتزام بأنّ حال سائر الناس بالنسبة إلى ما بأيديهم من أموالهم بالمقايسة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه عليهم السلام حال العبد الذي وهبه مولاه شيئاً من أمواله، ورخّصه في أن يتصرّف فيه كيف يشاء،] فذلك الشيء يصير ملكاً للعبد حقيقة، بناءً على أنّ العبد يملك، ولكن لا على وجه ينقطع به علاقته عن السيد، فإنّ مال العبد لا يزيد عن رقبته، فهو مع ما له من المال ملك لسيّده، ومتى شاء سيّده أن ينتزع منه ماله جاز له ذلك، فيصحّ إضافة المال إلى سيّده أيضاً، بل سيّده أحقّ به من نفسه، وأولى بإضافة المال إليه، فمن الجائز أن يكون ما في أيدي الناس بالإضافة إلى ساداتهم كذلك، فإنّ الدنيا وما فيها أهون على اللَّه من أن يجعلها ملكاً لأوليائه، ولا يمكن استكشاف عدمه من إجماع أو ضرورة، فإنّ غاية ما يمكن معرفته بمثل هذه الأدلّة هي: أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا ملتزمين في مقام العمل بالتجنّب عمّا في أيدي الناس، وعدم استباحة شيء منها إلّا بشيء من الأسباب الظاهريّة المقرّرة في الشريعة. وهذا لا يدلّ على أنّه لم يكن لهم في الواقع إلّا هذا، فلا مانع عن التعبّد بظواهر النصوص المزبورة المعتضدة بغيرها من المؤيّدات العقليّة والنقليّة». مصباح الفقيه ١٤: ٨- ٩.
وقال الشيخ مرتضى الحائري في كتاب الخمس: «إنّ ملكيّة الناس بالأسباب المختلفة- من الإحياء والحيازة- في طول ملكيّة الإمام عليه السلام أي في فرض صرف نظره عن التصرّف فيه من الانتفاع والبيع والشراء، فملكيّته للحائز أو المحيي بمعنى عدم جواز تصرّف غيره فيه مع بقاء اختيار الإمام عليه السلام على ما هو عليه قبل ذلك، ولا نعني بالملكيّة إلّا ذلك. واجتماع مالكين على مال واحد بالطولية متصوّر ولو في غير الإمام، بأن يشتري اثنان شيئاً بذلك النحو، وهذا كالترتّب في التكليفيّات ... وينحلّ بذلك ما دلّ على أنّ الأرض كلّها للإمام المطابق للآية الشريفة:
«النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» [الأحزاب: ٦]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم [في خبر صفوان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام]: «أ لست أولى بكم من أنفسكم؟، قالوا: بلى». [قرب الإسناد: ٥٧، ح ١٨٦] والمطابق للعقل والوجدان السليم، فإنّ الحكومات الإلهيّة كالحكومات المادّية محتاجة إلى أخذ أموال الناس للمصالح العامة أو للمصالح الإلهيّة ولو لم يكن نفعها راجعاً إلى العموم». الخمس: ٦٧٧.
وقال في موضع آخر منه عند قوله: ولا يخفى أنّ الأموال- من الأراضي وغيرها- كلُّها للإمام عليه السلام: «كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، وخطبة الغدير صريحة في إعطاء ذلك إلى الوصي من بعده.
وليس مقتضى كونه للإمام سلب مالكية الغير، كما أنّ اللَّه تعالى مالك، وليس مقتضى ذلك سلب مالكيّة الغير.
ولازم ذلك جواز التصرّف لولي المسلمين- المصون عن العصيان والخطأ- في أموال المسلمين إذا رأى المصلحة في ذلك، كتوسيع الشوارع، أو الصرف في المصالح العامّة للمسلمين، كما في الحكومات العرفية، بل هو مقتضى حقّ الحكومة ... فإنّ الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الدنيا وما عليها للإمام أو أنّ الأرض كلّها له ... لا تكون أقوى دلالة من الآية الشريفة. وليس مفاد ذلك سلب مالكيّة من انتقل إليه المال بسبب شرعي. والتضاد في الملكيّة إنّما هو إذا كانتا في رتبة واحدة كما هو واضح، فإنّ اللَّه تعالى مالك لجميع الموجودات من دون سلب المالكيّة الاعتباريّة عن غيره». الخمس: ١٥- ١٦.