الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٩١
ما نحن فيه أولى بمراعاة هذه القاعدة من الدليلين المتعارضين في أحكام اللَّه تعالى؛ لأنّ الأخذ بأحدهما كلّية وطرح الآخر كذلك في التكاليف الشرعيّة الالهيّة لا ينقص عن التبعيض من حيث مراعاة حقّ اللَّه سبحانه؛ لرجوع الكلّ إلى امتثال أمر اللَّه سبحانه، بخلاف مقام التكليف بإحقاق حقوق الناس، فإنّ في التبعيض جمعاً بين حقوق الناس ومراعاة للجميع ولو في الجملة، ولعلّ هذا هو السرّ في عدم تخيير الحاكم عند تعارض أسباب حقوق الناس في شيء من موارد الفقه» [١]).
ونوقش فيه بأنّه إن كان مراده الجمع بين الدليلين فلا شبهة في أنّه إنّما يجمع بين الدليلين لو كان الجمع عرفيّاً، وذلك مختصّ بموارد كون أحد الدليلين قرينة على التصرّف في الآخر، وذلك إنّما يكون فيما إذا صدر الكلامان من شخص واحد أو ممّن هو بمنزلة الواحد كالأئمة عليهم السلام، وهذا لا يجري في المقام، فالبيّنتان لا معنى لأن تكون إحداهما قرينة على التصرّف في الاخرى مع فرض الاثنينيّة ومعلوميّة مراد كلّ منهما. وقد حقّق ذلك نفس الشيخ الأنصاري في الاصول وهو:
أنّ قاعدة الجمع لا أساس لها، وإنّما يجمع بين الدليلين فيما لو كان الجمع عرفيّاً، واختار هنا ما كان مخدوشاً عنده في الاصول في باب التعادل والتراجيح من الرسائل [٢]).
وإن كان مراده الجمع بين الحقّين لقاعدة العدل والإنصاف كما لعلّه ظاهر ذيل كلامه المتقدّم، فهو وإن كان متيناً لقيام السيرة القطعيّة عليه في الحقوق الماليّة، لكن هذا لا ربط له بالمقام؛ إذ من الواضح أنّه ليس هنا حقّ مالي حتى تنتهي النوبة إلى تلك القاعدة، بل الأمر هنا دائر بين الأقلّ والأكثر، والأقلّ متيقّن، والكلام في أصل اشتغال الذمّة بالأكثر، فالزائد أمره يدور بين الاستحقاق وعدمه، لا استحقاق البائع واستحقاق المشتري [٣]).
[١] المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) ٥: ٤٠٥- ٤٠٦، نقلنا عبارته على طولها؛ لأنّها الأوفى والأهم في مقام الاستدلال على الجمع بالتنصيف، فصارت مدار الكلام في المقام لدى من تأخّر عنه من الفقهاء.
[٢] انظر: حاشية المكاسب (الاصفهاني) ٥: ٩٤. البيع (الخميني) ٥: ١٤٠. مصباح الفقاهة ٧: ٢٨٩- ٢٩١.
[٣] مصباح الفقاهة ٧: ٢٨٩- ٢٩١.