الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٥٤
فيهما بل وفي غيرهما ممّا ورد في الاستبراء؛ للحكم بعدم المبالات بما يخرج بعد ذلك، من هنا شكّك بعض الفقهاء في دلالتها على الاستحباب فضلًا عن الوجوب، بل هي واردة للإرشاد كما سيأتي.
هذا كلّه مضافاً إلى منافاة القول بالوجوب لما يظهر من كثيرٍ من الروايات الواردة في الاستنجاء الدالّة على حصول الطهارة بدونه والخالية عن ذكر الاستبراء بالمرّة، كصحيحة جميل عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إذا انقطعت درّة البول فصبّ الماء» [١]، وغيرها.
وكذا الروايات المشعرة بترك مولانا أبي عبد اللَّه وأبي الحسن عليهما السلام إيّاه:
ففي رواية روح بن عبد الرحيم قال:
بال أبو عبد اللَّه عليه السلام وأنا قائم على رأسه ومعي إداوة [٢])- أو قال: كوز- فلمّا انقطع شخب [٣] البول- قال بيده هكذا إليّ- فناولته الماء فتوضّأ مكانه [٤]).
وفي رواية داود الصرمي قال: رأيت أبا الحسن الثالث عليه السلام- غير مرّة- يبول ويتناول كوزاً صغيراً ويصبّ الماء عليه من ساعته [٥]).
نعم، يمكن المناقشة في ذلك بأنّ هذه الروايات لا دلالة فيها على التعقيب والفوريّة على وجه ينافي الاستبراء [٦]).
ثمّ إنّ مراد القائلين بالوجوب إن كان الوجوب التعبّدي فهو في غاية الضعف؛ لما سمعت من ظهور الروايات والفتاوى في خلافه. وكذا ما إذا كان مرادهم وجوب إعادة الاستنجاء حتى فيما علم أنّ الخارج مذي أو وذي.
نعم، يمكن أن يكون مرادهم الوجوب الطريقي بمعنى لزوم إعادة الاستنجاء والوضوء إن يظهر بلل مشتبه؛ للحكم بكونه بولًا ظاهراً، وهذا اتّفاقي، فيرتفع الخلاف والنزاع حينئذٍ [٧]).
وكذا لا يمكن أن يوصف بالوجوب الشرطي لما يتوقّف على الطهارة كالصلاة ونحوها؛ لوضوح عدم اشتراط ذلك في تحقّق الطهارة بالوضوء إذا لم يخرج بلل بعد ذلك حتى إذا لم يستبرأ، وقد نبّه عليه كاشف الغطاء [٨]).
الثاني: الاستحباب، وهو المشهور بين الفقهاء [٩]، بل في الجواهر: «لا خلاف فيه بين المتأخّرين» [١٠]). وفي المستند دعوى الإجماع عليه حيث لا يقدح مخالفة الشاذّ
[١] الوسائل ١: ٣٤٩، ب ٣١ من أحكام الخلوة، ح ١.
[٢] الإداوة- بالكسر-: إناء صغير من جلد يتّخذ للماء. لسان العرب ١: ١٠٠.
[٣] الشخب: الدم، وكلّ ما سال فقد شخب. لسان العرب ٧: ٤٩.
[٤] الوسائل ١: ٣٥٠، ب ٣١ من أحكام الخلوة، ح ٤.
[٥] الوسائل ١: ٣٤٥، ب ٢٦ من أحكام الخلوة، ح ٨.
[٦] انظر: الحدائق ٢: ٥٥- ٥٦.
[٧] انظر: كشف اللثام ١: ٢٢٠. جواهر الكلام ٢: ٥٨. مهذّب الأحكام ٢: ٢٠٨.
[٨] كشف الغطاء ٢: ١٥٥.
[٩] المختلف ١: ١٠٥. المدارك ١: ١٧٥. كشف اللثام ١: ٢٢٠. الطهارة (تراث الشيخ الأعظم) ١: ٤٧٥. مصباح الفقيه ٢: ١٠٣. مهذّب الأحكام ٢: ٢٠٨.
[١٠] جواهر الكلام ٢: ٥٨.