الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٩٥
و أما التجربة فإنها غير الاستقراء، و سنبين ذلك بعد. و التجربة مثل حكمنا أن السقمونيا مسهل للصفراء، فإنه لما تكرر هذا[١] مرارا كثيرة، زال عن أن يكون مما يقع بالاتفاق. فحكم الذهن أن من شأن السقمونيا إسهال الصفراء و أذعن له. و إسهال الصفراء عرض لازم للسقمونيا.
و لسائل أن يسأل فيقول[٢]: هذا مما لم يعرف سببه، فكيف يقع هذا اليقين الذي عندنا من أن السقمونيا لا يمكن أن يكون صحيح الطبع فلا يكون مسهلا للصفراء؟ أقول إنه لما تحقق أن السقمونيا يعرض له إسهال الصفراء و تبين ذلك على سبيل التكرار الكثير، علم[٣] أن ليس ذلك اتفاقا، فإن الاتفاقي[٤] لا يكون دائما أو أكثريا. فعلم أن ذلك شيء يوجبه السقمونيا طبعا، إذ لا يصح أن يكون عنه اختيارا[٥]: إذ علم أن الجسم بما هو جسم لا يوجب هذا المعنى، فيوجبه بقوة قريبة فيه، أو خاصة له، أو نسبة مقرونة به. فصح بهذا النوع من البيان أن في السقمونيا بالطبع، أو معه، علة مسهلة للصفراء. و القوة المسهلة للصفراء إذا كانت صحيحة، و كان المنفعل مستعدا، حصل الفعل و الانفعال. فصح أن السقمونيا في[٦] بلادنا تسهل دائما الصفراء إذا كانت صحيحة. فإذن عرفنا الأعظم[٧] للأصغر بواسطة الأوسط- الذي هو القوة المسهلة و هو السبب. و إذا حللت باقي القياس وجدت كل بيان إنما هو بيان بواسطة هي علة لوجود الأكبر في الأوسط، و إن لم يكن علة للعلم بالأكبر[٨]. فإذن بالسبب حصل لنا هذا النوع من اليقين أيضا.
و لقائل أن يقول: ما بال التجربة تفيد الإنسان علما بأن السقمونيا مسهل الصفراء على وجه يخالف في إفادته إفادة الاستقراء؟ فإن الاستقراء إما أن يكون مستوفيا للأقسام[٩]، و إما أن لا يوقع غير الظن الأغلب. و التجربة ليست كذلك. تم يعود يتشكك فيقول: ما بال التجربة توقع في أشياء حكما يقينيا؟ ثم لو توهمنا أن لا ناس إلا في بلاد السودان، و لا[١٠] يتكرر على الحس إنسان إلا أسود، فهل يوجب ذلك أن يقع اعتقاد بأن كل إنسان أسود؟ و إن لم يوقع، فلم صار تكرر يوقع و تكرر
[١] س إسهاله للصفراء بدلا من" هذا".
[٢] س فلسائل أن يشك و يقول.
[٣] س علم و يعرف.
[٤] س الاتفاق.
[٥] المراد أن هذه الخاصية من طبع السقمونيا و ليست فعلا اختياريا.
[٦] س الذي في.
[٧] يريد الأكبر- أي الحد الأكبر.
[٨] س لطبيعة الأكبر.
[٩] س مستوفى الأقسام. و معنى استيفائه للأقسام أنه استقراء تام.
[١٠] س فلا.