الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٨٨
و كان مأخذ هؤلاء في الاحتجاج شيئا آخر: و هو أن هذه[١] مستغنية عن المادة في الحد، و كذلك في الوجود. قالوا: و أما ما يضعه الرياضي من خط و شكل محسوس فهو كاذب فيه.
و الخط و الشكل الحقيقي عقلي و عليه البرهان.
و قوم ألفوا الهندسيات من العدديات، و جعلوا العدديات مبدأ الهندسيات. و أما أفلاطن فجعل الصور[٢] المعقولة المفارقة موجودة لكل معقول حتى للطبيعيات فسماها إذا كانت مجردة مثلا، و إذا اقترنت بالمادة صورا طبيعية. و جميع هذا باطل، فإن الصور الطبيعية لا تكون هي هي إذا جردت عن المادة، و الصور التعليمية لا تقوم[٣] بلا مادة و إن كانت تحد لا بالمادة، و الكلام في إبطال هذه الآراء و القياسات الداعية إليها إنما هو في صناعة الفلسفة الأولى دون المنطق و علوم أخرى، بل يحسن في المنطق بوجه من الوجوه أن يبين أن هذه و إن فرضت موجودة فلا مدخل لها في علم البرهان و لا هي موضوعة لهذه البراهين التي نحن في تعليمها:
لأن هذه البراهين و إن كانت بالذات و أولا لأمور عقلية كلية، فإنها ثانيا و بالعرض للمحسوسات و الفاسدات. فإن كل حكم يصح على الشمس المطلقة يصح على هذه الشمس، و كل حكم يصح على الغب[٤] على الإطلاق فيصح على هذا الغب. و إذا صح أن كل إنسان حيوان، صح على إنسان ما أنه حيوان.
و البرهان إنما لا بد من أن يكون فيه[٥] قول[٦] كلي ليكون شاملا للكثرة بأن يعطي اسمه وحده للكثرة الجزئية. و يمكن أن يجعل الكلي فيه المحكوم عليه بالحكم الكلي حدا أوسط موجبا على الكثرة بالاسم و الحد. فما حكم عليه حكم على الكثرة. و أما الصور فإنها إن كانت موجودة فلا يجب أن يكون الحكم عليها حكما على الكثرة من الجزئيات الشخصية[٧]، و لا يمكن أن تكون حدودا وسطى في إثبات شيء[٨] على الكثرة من الجزئيات الشخصية، و ذلك لأن المثل و إن أنزلنا أنها تعطي الكثرة أسماءها[٩]، فلا يمكننا أن نقول إنها تعطيها حدودها: لأنه ليس
[١] المراد بهذه الصور التعليمية.
[٢] س الصورة.
[٣] أي لا تقوم في الوجود الخارجي.
[٤] س في الغب. و للغب معان كثيرة و لعله يشير هنا إلى حمى الغب و هي حمى تأخذ يوما و تدع يوما.
[٥] س ساقطة.
[٦] أي اسم كلي.
[٧] س من الشخصيات البتة.
[٨] س إثباتها شيئا.
[٩] ب، م أسماها.