الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٠٣
على سجوم المطر عن السحاب الذي فيه الهالة. فإنه إذا كان يمكن أن يكون معلول منعكس أو علامة منعكسة- و إن لم يجب ذلك فربما لم يكن المعلول منعكسا، بل كان أعم مثل إضاءة البيت بسبب الاصطباح، أو كان أخص مثل التدخين[١] عن النار، و كذلك العلامة على ما علمت- فتبين أنه يمكن أن يبين بالمعلول العلة، و بالعلامة ذو العلامة، و يمكن أن يبين بالعكس. و إنما يتوقف الأمر على الأعرف. فإن كان الأعرف نسبة المعلول أو العلامة إلى الحد الأصغر، كان هو الأولى أن يجعل حدا أوسط و العلة حدا أكبر، فكان ذلك وجها من وجهي هذا البرهان، مثل قولك:
إن[٢] الكواكب المتحيرة مضيئة غير لامعة، و كل مضيء غير لامع فهو قريب، فالكواكب المتحيرة قريبة. و أيضا: الكواكب الثابتة مضيئة لامعة، و كل مضيء لامع فهو بعيد، فالكواكب الثابتة بعيدة. ثم كل واحد[٣] من اللمع و سلبه مسبب[٤] و معلول: ذلك للبعد، و هذا للقرب. و كذلك قولك: القمر يتزيد ضوؤه كذا و كذا، و كل ما يتزيد[٥] ضوؤه كذا و كذا فهو كري، فالقمر كري. فهذا أيضا الحد الأوسط فيه معلول الأكبر.
فهذه أمثلة الضرب الثاني من برهان إن. و لو أن هذه الحدود الكبرى كانت أعرف من هذه الحدود الوسطى، و كان القرب و البعد للمتحيرة[٦] و الثابتة أعرف من اللمع و اللامع، و الكرية أعرف للقمر من هيئة قبول الضوء، لكان يمكن أن تجعل هذه العلل حدودا وسطى، فيقال إن الكواكب المتحيرة قريبة الضوء، و كل قريب الضوء فإنه لا يلمع، أو يقال إن القمر كري، و كل كري فإنه يقبل الضوء هكذا، فكان هذا برهان لم. على أنه يجوز أن يعلم أولا الإن بالمعلول ثم يقلب فيعلم اللم بالعلة فلا يكون دورا: لأن البيان الأول لم يطلب فيه لم[٧] البتة، و أما البيان الثاني فلم يطلب فيه إن البتة. فيكون هذا قريبا من المصادرة على المطلوب و ليس مصادرة على المطلوب.
ففي أمثال هذه المواد المنعكسة يمكن في علم واحد أن يعلم إن صرف أولا ثم يعلم لم صرف ثانيا من مواد بأعيانها مع ما فيها من تقديم و تأخير و زيادة و نقصان. مثاله أن يعلم بالعلم الرصدي أن القمر كري الشكل لأنه يستضيء كذا و كذا، فيكون هذا محفوظا. ثم يتعرف من العلم[٨] الطبيعي أن الأجرام السماوية يجب أن تختص بالأشكال الكرية من جهة برهان طبيعي يعطي اللم و الإن
[١] ت التدخن.
[٢] ب ساقطة.
[٣] ب واحدة.
[٤] س ساقطة.
[٥] س يزيد.
[٦] ب، م المتحيرة.
[٧] س ساقطة.
[٨] س علم.