الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٦٥
الحكم المذكور[١]، فيعلم أنها كاذبة ضرورة، و أن فطرتها و ضرورتها غير الضرورة العقلية، و إن كانت ضرورة قوية في أول الأمر. و أول ما يكذبها أنها نفسها لا تدخل في الوهم. و مع ذلك فإنه قد يصعب علينا التمييز بين الضرورتين، إلا أن ننظر[٢] في موضوع المطلوب و محموله. فإن كان شيئا أعم من المحسوس أو خارجا عنه، و كانت الضرورة تدعو إلى جعله على صورة محسوسة، لم نلتفت إليها بل نفرغ إلى الحجة. و الموجود و الشيء و العلة و المبدأ و الكلي و الجزئي و النهاية و ما أشبه ذلك كلها خارجة عن الأمور المحسوسة. بل حقائق النوعيات أيضا مثل حقيقة الإنسان فإنها مما لا يتخيل البتة و لا تتمثل في أوهامنا. بل إنما ينالها عقلنا. و كذلك كل حقيقة كلية[٣] من حقائق نوعيات الأمور الحسية فضلا عن العقلية كما سنبين ذلك في موضعه.
فمبادئ البراهين التي من جنس المدركات [٩١ ب] بالضرورة من هذه[٤] التي تدرك و يصدق بها بالضرورة الحقيقية دون تلك الوهمية. و أما ما يكون على سبيل التسليم فإما أن يكون على سبيل تسليم صواب، و إما على سبيل تسليم غلط. أما[٥] الذي على سبيل تسليم صواب فهو إما على سبيل تسليم مشترك فيه، و إما على سبيل تسليم من واحد خاص، يكون ذلك نافعا في القياس الذي يخاطب به ذلك الواحد الخاص، و لا يكون التصديق به مما يتجه نحو المخاطب و القياس بل نحو المخاطب. فلا ينتفع به المخاطب و القياس فيما بينه و بين نفسه البتة انتفاعا حقيقيا أو مجردا.
و الذي على سبيل تسليم مشترك فيه: إما أن يكون رأيا يستند إلى طائفة، أو يكون رأيا لا يستند إلى طائفة، بل يكون متعارفا في الناس كلهم قبوله، و قد مرنوا عليه، فهم لا يحلونه محل الشك: و إن كان منه ما إذا اعتبره المميز[٦]، و جعل نفسه كأنه حصل في العالم دفعة و هو مميز، و لم يعود شيئا و لم يؤدب و لم يلتفت إلى حاكم غير العقل، و لم[٧] ينفعل عن الحياء و الخجل، فيكون حكمه خلقيا لا عقليا، و لم ينظر إلى موجب مصلحة فيكون بوسط لا بضرورة، و أعرض عن الاستقراء أيضا فيكون بوسط، و لم يلتفت إلى أنه هل ينتقض عليه بشيء. فإذا[٨] فعل
[١] هذه الجملة مضطربة ناقصة في م و كلمة الحكم الواردة فيها مفعول لقوله ما نعت لا لقوله تحكم.
[٢] س ينظر.
[٣] س ساقطة.
[٤] س هي من.
[٥] س و أما.
[٦] أي ما إذا نظر فيه المميز أي العاقل الذي يستطيع التمييز بين الأشياء.
[٧] م أو لم.
[٨] م و إذا.