الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٨٥
الفصل الثامن[١] في أن العلم اليقيني بكل ما له سبب من جهة سببه[٢] و مراعاة نسب حدود البرهان من ذلك
ثم نقول: إذا كان لحمل[٣] محمول على موضوع دائما، أو سلبه عنه دائما[٤]، أو لحمله أو سلبه في وقت معين يكونان فيه بالضرورة علة[٥] لتلك العلة، صارت النسبة بين الموضوع و المحمول تلك النسبة[٦].
و ذات المحمول و الموضوع ليس لهما- لو لا[٧] تلك العلة- تلك النسبة بالوجوب بل بالإمكان.
و إذا علما من غير الوجه الذي به صار حكم[٨] ما بينهما ضروريا على تلك النسبة، فقد علما من جهة غير الجهة التي بها لا يمكن ألا[٩] يكونا بتلك الحال: و ذلك هو أن يعلم الحكم بوجه غير وجه السبب الذي يوجبه: لأن كل نسبة للموضوع إلى المحمول المذكورين، و للمحمول إلى الموضوع المذكورين تفرض واقعة لا من الجهة التي توجبها العلة، فهي[١٠] واقعة من جهة إمكان لا وجوب. فيكون قد علم أن كذا كذا، و لم يعلم أنه لا يمكن ألا يكون كذا، إذ لا يعلم ما به[١١] لا يمكن ألا يكون كذا. فإن قاس إنسان فقال: إن فلانا به بياض البول في حمى حادة، و كل من به بياض بول في حمى حادة فهو يعرض له سرسام، و أنتج، لم يكن له بما أنتج علم يقيني أو يعلم[١٢]. و كذلك لو قال قائل: إن كل[١٣] إنسان ضحاك، و كل ضحاك ناطق، فلا يجب من هذا أن يتيقن أن كل إنسان ناطق، بحيث لا يجوز أن يصدق بإمكان نقيض هذا: و ذلك لأن الضحك- أي قوة الضحكية- لما كانت معلولة لقوة النطق، فما لم يعلم وجوب قوة المنطق أولا للناس، و وجوب اتباع قوة الضحك لقوة النطق، لم يجب أن يتيقن أنه
[١] م، ب ساقطة.
[٢] أي أنه يقيني من جهة سببه.
[٣] م يحمل.
[٤] أو سلبه عنه دائما ساقط في م.
[٥] كان هنا تامة و علة فاعل أي إذا وجدت علة.
[٦] أي تلك النسبة الضرورية. و معنى هذه الجملة المعقدة إذا وجدت علة في حمل محمول على موضوع كانت النسبة بينهما نسبة ضرورية سواء أ كان الحمل بالإيجاب أو بالسلب، دائما أو في وقت معين.
[٧] س أولا.
[٨] م، ب الحكم.
[٩] م، ب أن يكونا، و لكن سياق الفصل يؤيد قراءة ألا، لأن الوجه الذي يتحدث عنه هو وجه الوجوب، و هو أن يعلم الشيء بوجه أنه لا يمكن ألا يكون على ما هو عليه.
[١٠] الجملة خبر لأن.
[١١] س بأنه.
[١٢] أي إلى أن يعلم العلة في ذلك.
[١٣] م كان.