الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٦٦
فهذه أقاويل من جنس الزخارف التي يرومون بها التنويه باسم البرهان، و أنه الشيء الذي من الحد لا غير.
و كثير من هؤلاء يدعي خلل كلامه أنه يأتي ببرهان على [١١٣ ب] وجود الحد للمحدود، فيكون الأوسط مما يأتي به كالحد للأكبر، و يكون الذي يبينه هو وجود الأكبر للأصغر[١]، و لا يكون الأكبر[٢] إلا عرضا للأصغر غير حد، فيكون بين غير الحد، و عنده أنه بين الحد.
على أن هاهنا[٣] شيئا يجب أن نعلمه و نتيقنه، و هو أنه لا يمكن في الحقيقة إثبات حد أكبر له حد أو رسم إلا بتوسط الحد و الرسم بالقوة أو بالفعل: فإنه ما لم يكن حد الشيء أو رسمه موجبا للشيء فليس هو بموجب، و ما لم يكن مسلوبا[٤] فليس هو بمسلوب، لكنه ليس ذلك[٥] على أنه هو الحد الأوسط الكافي الذي لا حاجة إلى غيره. فإنه حق ما قيل في أمثلتهم إن حد الاتفاق هو كون النغم على نسبة عددية كذا، و إنه إذا جعل هذا حدا أوسط أنتج أن النغم متفقة، فيكون الشيء الذي هو ماهية مفصلة[٦] بالاتفاق[٧] هو بعينه حد أوسط. لكنه ليس يجب من ذلك أن يكفيك هذا التوسط، أو أنه لا يكون البرهان إلا بمثل هذا التوسط.
فإنه لو كان معلوما لنا أن هذه النغم[٨] موجود[٩] لها هذا الحد، لكنا لا نشك في أنها موجود[١٠] لها الاتفاق، و لكن في أكثر الأمور يشكل علينا حمل الحد كما يشكل علينا حمل المحدود، فلا ننتفع بتوسط الحد، بل نحتاج إلى توسط[١١] أمور أخرى لا محالة يتأدى بتوسيطها إلى إنتاج وجود الحد قبل تأديتها إلى إنتاج الجملة التي يدل[١٢] عليها اسم المحدود. لكن تلك الوسائط تكون أمورا غير الحدود للحدود. فلست ترى برهانا قط وسط فيه حد حقيقي للأكبر ثم أنتج منه حمل المحدود على الأصغر. و لو كان البرهان هو هذا فقط: أعني الذي أوسطه الحد، ما كنا نجد برهانا على شيء إلا على ما وجود حد الحد الأكبر للأصغر فيه ظاهر، و وجود نفس الحد الأكبر خفي، و ما أقل أمثال هذه الأشياء. و كذلك إن جعلوا الأوسط حدا للأصغر، و قلما يجري ذلك في أمثلتهم.
[١] م ساقطة.
[٢] م ساقطة.
[٣] ب نعم هاهنا. م يعم هاهنا.
[٤] م مساويا.
[٥] م كذلك.
[٦] س مفصل.
[٧] هكذا في المخطوطات الثلاثة و لعلها للاتفاق.
[٨] س النغمة.
[٩] موجودة- في جميع المخطوطات.
[١٠] موجودة- في جميع المخطوطات.
[١١] س توسيط.
[١٢] م، ب يدرك.