الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٩١
و جفاف الرطوبة، و الانتشار، و حال القمر و ستر الأرض و الكسوف. و ذلك لأنه إذا كان الأوسط ليس دائم الوجود للأصغر، فإنه لا يجب أن يدوم ما يوجبه و ما هو علة له. فإن كان علة فيكون ما يفيده من اليقين إنما يفيده وقتا ما.
و لقائل أن يقول: فكيف يكون حال الأصغر من الأوسط في البراهين؟ فنقول: يجوز أن يكون الأصغر علة للأوسط تقتضيه لذاتها بلا توسط علة اقتضاء النوع لخواصه المنبعثة عنه انبعاثا أوليا. لكن الأوسط علة لا للأصغر في ذاته، بل في بعض أحكامه و خواصه التي هي تابعة للأوسط، مثل" كون زوايا المثلث مساوية لقائمتين"، إذا جعلناه الأوسط و فرضنا أنه كذلك بالقياس إلى الأصغر- و ليكن المثلث[١]، و ليكن الأكبر" كون زوايا المثلث نصف زوايا المربع".
و يجوز أن يكون الأصغر من خواص الأوسط التي يقتضيها الأوسط، ثم الأوسط علة لحكم يقارن الأصغر. و أما كيف يكون الأكبر و الأصغر معا لازمين لشيء و ليس أحدهما علة تقتضي الآخر، فقد علمت[٢] الوجه فيه. و أما قياس الأكبر من الأوسط فما علمت.
و لكن لقائل أن يقول إنه إذا ثبت حكم على الأصغر فصحت النتيجة فأردنا أن نجعلها كبرى قياس ما، فكيف يكون ذلك القياس في إفادة اليقين؟ فنقول إن الأصغر إذا صار أوسط و قد صار الأكبر بينا له بعلة، فقد صارت تلك العلة بعينها علة لكل ما يوصف بالأصغر، فقد صارت علة أيضا للأصغر الثاني، إلا أنها علة للأصغر الثاني بواسطة، و للأول بغير واسطة.
و ليس برهان اللم هو الذي يعطي العلة القريبة بالفعل فقط، بل هو برهان لم و إن لم يفعل ذلك[٣] بعد أن يكون إنما يبين ما يبين بالعلة و اليقين، و كان ينحل البيان فيه إلى العلل. و الذي سنقوله من أن البرهان إذا أعطى العلة البعيدة من الحد الأكبر لم يكن برهان لم[٤]، فهو أن يكون مثلا الحد الأصغر ج و الحد الأوسط ب و الحد الأكبر ا، لكن ب ليس علة قريبة لكون
[١] و ليكن المثلث ساقط من س.
[٢] س عرفت.
[٣] س و إن لم يكن يفعل كذلك. و معنى هذه العبارة المعقدة أن برهان لم ليس قاصرا على البرهان الذي يعطي العلة القريبة بالفعل، بل قد يكون البرهان برهان لم و إن لم يفعل ذلك إلخ.
[٤] ب إن.