الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٠٨
و قد يكون على وجه ثالث: و هو أنه قد يتفق ألا يكون العلم كله و لا جزء ما معين منه تحت علم آخر، بل مسألة ما بعينها: إذ يتفق أن يقع عارض غريب لموضوع الصناعة مثل استدارة الجرح، فإن هذا العارض يوجب عارضا ذاتيا و هو عسر الاندمال، فيكون الموضوع قد صار باقتران عارض غريب مخصصا مهيأ لالتزام عارض ذاتي. و لو لم يجعل مخصصا ما التزم عارضا ذاتيا على ما أوضحنا.
فيكون برهانه المعطي للم لا من ذلك العلم، بل من العلم الذي منه العارض الغريب. فالطبيب[١] يحكم أن الجراحات المستديرة بطيئة الاندمال، و المهندس يعطي العلة في ذلك حين[٢] يقول لأن الدائرة أوسع الأشكال إحاطة.
و قد يمكن أن يعطي سبب مركب من العلم الطبيعي و الهندسي[٣] فيقال: لأن الاندمال تحركه[٤] إلى الوسط: فإذا كانت زاوية تعينت جهة الحركة فيسهل الالتقاء، و إذا لم تكن زاوية كانت الحركة[٥] في جميع المحيط معا و تقاومت الأجزاء و أبطأ الاندمال.
و قد أوردوا في[٦] الشروح مثالا لما يكون برهانه في العلم الأسفل من جهة الإن. و في العلم الأعلى من جهة اللم: أن صاحب المناظر يحكم بأن المخروط البصري إذا بعد فنى: و علة ذلك يعرفه المهندس من قبل معرفته بأن الخطين اللذين يخرجان عن غير قائمتين يلتقيان. و هذا المثال غير جيد[٧]: و ذلك لأنه يجب أن يكون المثال مشتملا على شيء يبرهن عليه في العلمين ببرهانين مختلفين. و أما[٨] الذي أورده- إن صح- فيكون مما يوضع[٩] في المناظر وضعا لا مما يبرهن عليه فيه.
نعم لو عنوا أن أمرا ما إذا كان مما يبرهن[١٠] بهذه المقدمة في العلم المناظري، و هي غير معطاة العلة، فإنما يبين بما لم يتحقق بعد، فلا يكون بيانه ببرهان[١١] لم، و إذا وقع إلى المهندس صار ذلك برهان لم- كان له وجه. على أن هذا المثال رديء جدا و بالعكس من الواجب[١٢]: لأن الصنوبرة زاويتها عند الحدقة و قاعدتها عند المبصر، و هنالك[١٣] لا التقاء البتة. بل كلما أمعن كان التباين أكثر.
[١] س و الطب.
[٢] س حتى.
[٣] س و المهندسي.
[٤] م يحركه.
[٥] س الزاوية.
[٦] س بعض الشروح.
[٧] م حينئذ و هو تحريف.
[٨] س فأما.
[٩] س يوضح.
[١٠] س تبرهن.
[١١] ب، م برهان.
[١٢] م+ و بالعكس.
[١٣] س و هناك.