الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٦٩
التصور. فمطلب" ما" الذي بحسب الاسم[١] متقدم على كل مطلب، و أما مطلب" ما" الذي بحسب تحقق الأمر في نفسه فمتأخر عن مطلب" هل" البسيط. فإن الذي يطلب ما ذات الحركة و ما الزمان[٢] فإنما يطلب مائية أمر موجود عنده. و أما إن طلب أحد هل حركة أو هل زمان أو هل خلاء أو هل إله موجود، فيجب أن يكون فهم أولا ما تدل عليه هذه الأسامي: فإنه يمكن أن يعلم ما يدل عليه الاسم و لا يعلم هل ذلك المدلول عليه موجود أو غير موجود. و إن كان الحد إنما هو بالحقيقة للموجود، و لكن لا يوقف في أول الأمر أن هذا القول حد بحسب الاسم أو بحسب الذات إلا بعد أن يعرف أن الذات موجودة. و لذلك يوضع في التعاليم[٣] حدود أشياء يبرهن على وجودها من بعد كالمثلث و المربع و أشكال أخرى حدت في أول كتاب" أسطقسات الهندسة".
فكان حدا بحسب شرح الاسم، ثم أثبت وجودها من بعد، فصار الحد ليس بحسب الاسم فقط بل بحسب الذات: بل صار حدا بالحقيقة. و يجب أن يعلم أن الفرق بين الذي يفهم من الاسم بالجملة و الذي يفهم من الحد بالتفصيل غير قليل. فكل إنسان إذا خوطب[٤] باسم فهم فهما ما و وقف على الشيء الذي يدل عليه الاسم إذا كان عالما باللغة. و أما الحد فلا يقف عليه إلا[٥] المرتاض بصناعة المنطق. فيكون أحد الأمرين معرفة، و الثاني علما، كما أن الحس معرفة و العقل[٦] علم.
و مبادئ العلوم مختلف في تقديمها على العلوم و تصدير التعاليم بها. ففي ببعضها إنما يوضع أن الأمر موجود أو غير موجود فقط، لأن الضرورة (٩٢ ا) تدعو فيها إلى هذا المقدار كقولنا" إن الأمر لا يخرج عن طرفي النقيض"، أو[٧] مثل وضعهم" أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية". و في بعضها إنما يوضع أولا ما ذا يدل عليه الاسم كما ذكرناه من حال المثلث و المربع المذكورين في فاتحة كتاب الأسطقسات، ثم من بعد ذلك يبين وجوده. و في بعضها يحتاج أن يوضع الأمران جميعا: مثل الوحدة في فاتحة علم العدد. و نحن مستقصون لهذا[٨] فنقول:
إن الأمور التي تذكر في المبادي منها معان مركبة و منها معان مفردة. و المعاني المركبة إنما يليق بها أن يستدعى فيها التصديق[٩] لا لأن تعطى لها[١٠] الحدود، فإن التركيب الخبري للتصديق.
[١] أي الذي يطلب فيه معنى اسم كقولنا ما العنقاء؟.
[٢] س و ما ذات الزمان.
[٣] التعاليم علم الرياضة.
[٤] م خطب.
[٥] م ساقطة.
[٦] المراد بالحس و العقل هنا الإحساس و التعقل.
[٧] م و.
[٨] س و نحن نزيد هذا استقصاء.
[٩] س إلى التصديق.
[١٠] س بها.