الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٥٤
الفصل الثاني[١] في مرتبة كتاب البرهان
إن الفنون التي سلفت، سلف أكثرها على نهج طبيعي من الترتيب، فكان من حق الفن الذي[٢] في البسائط أن يقدم على المركبات، و من حق الفن الذي في التركيب الأول الجازم[٣] أن يقدم على الذي في القياس، و كان من حق الفن الذي في القياس المطلق أن يقدم على القياسات الخاصة.
و أما هذه الفنون التي انتقلنا إليها فمن الجائز أن يقدم بعضها على بعض، و ليس إلى شيء من التراتيب و الأوضاع حاجة ضرورية. لكن الأشبه أن يكون[٤] المعلم الأول رتب هذا الفن الذي في البرهان قبل سائر الفنون: لأن الغرض الأفضل في جميع ما سلف، و في القياس نفسه، هو التوصل إلى كسب الحق و اليقين. و هذا الغرض يفيده هذا الفن دون سائر الفنون. و الأولى في كل شيء أن يقدم الأهم[٥] و أن يصرف الشغل إلى الفرض قبل النفل. فأما[٦] ما يفيده سائر الفنون فكأنه من الأمور التي ينتفع ببعضها في الأمور[٧] المدنية المشتركة دون استفادة الكمالات الخاصية إلا ما يتعلم منه على سبيل ما يتعلم الشر ليحذر. و الكمال الخاص قبل الكمال المشترك.
و ذلك لأن بعضها يتعلم ليتحرز منه[٨]، و بعضها ليرتاض به أو ليكبح به معاند الحق. و بعضها ليقدر[٩] به على مخاطبة الجمهور في حملهم على المصالح بما[١٠] يظنون منه ظنا أو يتخيلون تخيلا.
و جميع ذلك مما لا غنية عن تلخيصه لتكملة الأقسام.
لكن من الناس من رأى أن الأصوب هو أن يتقدم الفن المعلم للجدل على هذا الفن، فاستنكر ما يقوله كل الاستنكار و رد عليه كل الرد، و ليس يستحق الرجل كل ذلك النكير و كل ذلك الرد:
فإن من وسع وقته للتأخر[١١] و أملي له في الأجل فسلك ذلك السبيل، كان ذلك أحسن من وجه،
[١] م، ب: ساقطة
[٢] س: الذي يستعمل، و من قوله الذي في البسائط إلى قوله المركبات ساقط في م.
[٣] بعض القضايا الحملية.
[٤] س: ساقطة.
[٥] س ما هو أشد اهتماما فيه.
[٦] س: و أما.
[٧] س: الأحوال.
[٨] س عنه.
[٩] ب: يقتدر.
[١٠] س: كما.
[١١] س: للتأخير.