الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٣٤
فقد استبان من هذه الجهة[١] أيضا تناهي الأوساط. و هذه[٢] الجهة هي جهة[٣] اعتبار التصور و الحد. فقد بان و اتضح أن هاهنا مقدمات أولى، و أن محمولات و موضوعات بلا واسطة، و أنها جارية على الولاء. و الأشياء التي تعلم بالبرهان لا يمكن أن تعلم بوجه آخر أشرف منه. و كل علم برهاني فإنما يكون بعلم أقدم منه. فإن ذهب ذلك إلى غير النهاية ارتفع العلم البرهاني أصلا. و أما إن وقف عند مقدمات لا أوساط لها، فأحسن ما تأول عليه ذلك أن يكون الوقوف عند أصول موضوعة. و الوقوف[٤] عند أصول موضوعة[٥]- إن كانت تلك الأصول لا تتبرهن في علم آخر- وقوف[٦] غير برهاني.
فيجب إذن إن كان[٧] وقوف على أصول موضوعة أن يكون لها وقتا ما بيان برهاني.
و في آخر الأمر يجب أن ينتهي البحث إلى مقدمات لا أوساط لها، و إلا لم يمكن برهان و لا علم برهاني.
فلم يكن احتجاج الخصوم في إمكان وجود أوساط لا نهاية لها برهانيا يلتفت إليه.
و لما كان البرهان إنما يؤخذ من جهة الأشياء الموجودة للموضوع بذاتها- إما داخلة في حد الموضوع أو الموضوع داخل في حدها: مثال الأول الكم و الكثرة للعدد- و قد بان أن هذا القسم متناه- و مثال الثاني الفرد للعدد- و هذا أيضا لا يجوز أن يذهب إلى غير النهاية حتى يكون للفرد شيء مثل ما للعدد، و لذلك الشيء شيء آخر: و ذلك لأن قوام جميع ذلك مع الفرد يكون في العدد، و يكون العدد مع الفرد مأخوذا في حدودها. فإن ذهبت تلك إلى غير النهاية ذهب أيضا معها[٨] ما يؤخذ في حدودها إلى غير النهاية، لأن لكل محمول منها موضوعا من هذه التي تؤخذ في حدودها، و كل سابق داخل مع المسبوق في حد المحمول. فتكون إذن موضوعات بغير نهاية متتالية كلها تؤخذ في الحدود. و قد بان استحالة هذا[٩]. فإنه لما كانت الموضوعات المأخوذة في حدود محمولاتها لا تذهب إلى غير نهاية، فكذلك المحمولات التي تساويها في العدد.
على أن لقائل أن يقول. إنما بان استحالة ذلك في أشياء غير متناهية تؤخذ في حد شيء واحد، و هاهنا لا يكون المأخوذ في حد شيء واحد منها إلا لجملة متناهية من تلك الغير المتناهية، هي ما بين الطرفين، و ذلك الواحد و ما بين الطرفين و بين كل واحد- متناه.
[١] س الجملة.
[٢] من هذه الجهة و هي جهة.
[٣] من هذه الجهة و هي جهة.
[٤] ساقط في ب، م.
[٥] ساقط في ب، م.
[٦] س و موقوف و هو خطأ.
[٧] س كانت.
[٨] س ذهب معها أيضا.
[٩] س ذلك.