الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٣٢
و أما سائر العلوم فتستفاد إما من التجربة و إما بوسط[١] إذا كان نفس تأليف البسائط لا يقتضي التصديق. فتكون المكتسبات من العلوم قد سبقها سببا الجهل- و هما عدم لوح البسائط للذهن و عدم الوسط و التجربة و الأوائل البينة بنفسها سبقها أحد السببين[٢]: و هو الأول.
و قد شبه المعلم الأول حال اجتماع صورة الكلي في النفس بحال اجتماع الصف في الحرب، فإنه إذا وقعت هزيمة فثبت واحد فقصده[٣] آخر و وقف معه، ثم تلاهما ثالث و اتصل الأمر فجعل واحد واحد يعود، انتظم الصف ثانيا، فيكون الصف ينتظم قليلا قليلا. و كذلك العلم و الصورة الكلية العقلية ترتسم في النفس قليلا قليلا عن آحاد محسوسة إذا اجتمعت اكتسبت منها النفس الصورة الكلية ثم قذفتها[٤]. و ذلك أيضا لأن الذي يحس الجزئي فقد يحس بوجه ما الكلي، فإن الذي يحس بسقراط فقد يحس بإنسان. و كذلك ما يؤديه، فإنه يؤدي إلى النفس سقراط و إنسانا: إلا أنه إنسان منتشر مخالط بعوارض[٥] لا إنسان صراح. ثم إن العقل يقشره و يميط عنه العوارض فيبقى له الإنسان المجرد الذي لا يفارق به سقراط أفلاطون. و لو أن الحس لم يكن أدرك[٦] الإنسان بوجه ما، لكان الوهم فينا و في الحيوان لا يميز بين أشخاص النوع الواحد و النوع الآخر ما لم يكن عقل. و لا الحس أيضا يميز ذلك، بل الوهم. و إن كان الوهم إنما يميز شيئا و العقل يميز شيئا آخر.
و كلما اصطادت هذه القوة معنى كليا ضمته إلى آخر و اصطادت بهما معنى كليا آخر. و هذا المأخذ الطبيعي في إدراك النفس للأمور الأولى، شبيه بالمأخذ الصناعي الذي إليه يدعو المعلم الأول في اقتناص الحدود- و هو التركيب. و هذا من دلائل شرف التركيب. قيل فلننظر أي قوة من قوى النفس هذه؟ فإنا نقول: إن للنفس قوة علامة بها تكتسب المجهولات بالنظر، و قوة عاقلة، و قوة ظانة، و قوة مفكرة، و قوة متوهمة. و لا يعرض [١٢٠ ب] لنا في القوى[٧] الباطنة قوة دراكة غير هذه. ثم الظانة و المتفكرة و المتوهمة لا يعتد بها، و لا حكمها صادق دائما، حتى تتقدم على قوة العلم. و لا قوة العلم صالحة لهذا، لأنه كما أن مبدأ البرهان ليس يكتسب
[١] س يتوسط
[٢] س السبقين
[٣] م يقصده
[٤] س صححت في الهامش نزعها
[٥] س لعوارض
[٦] م إدراك
[٧] م القوة