الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٠٥
أعطى العلة القريبة فيه- كما نقول في الشكل الثاني إن الجدار لا يتنفس لأنه ليس بحيوان، و كل متنفس حيوان. و هذا التأويل أظهر. و يكون إنما نسب إلى الشكل الثاني[١] لأنه كما علمت أولى بالسلب. و هذا يقع في البراهين السالبة أكثر و إن كان قد يقع في الموجبة.
فأما[٢] التفسير الثاني- و هو الأصوب و إن لم يكن الأظهر[٣]- فهو أنه[٤] يعني بالأوسط الأوسط في القياس و الوجود جميعا، و هو العلة القريبة، على أنها منعكسة، و يكون معنى وضعه خارجا ألا يكون قد رتب في أجزاء القياس بل ترك من خارج. فإن الجدار في مثالنا المذكور ليس علة كونه غير [١٠٧ ا] متنفس ما[٥] وضع و هو: كونه ليس بحيوان، بل ما ترك خارجا و هو: كونه غير ذي رئة. فإنه إذا كان للإيجاب مطلقا علة منعكسة، فرفع تلك العلة علة السلب، و كان السلب مطلقا إذا كان له علة منعكسة، فمقابل تلك العلة علة الإيجاب. و لو كان علة أنه لا يتنفس كونه ليس بحيوان، كان علة أنه يتنفس، كونه حيوانا: و ليس كذلك، فإن من الحيوان ما لا يتنفس. و كذلك[٦] ليس علة أنه لا يتنفس أنه[٧] ليس بحيوان، بل الحيوان أعم مما لا يتنفس و" ليس بحيوان" أخص مما" لا يتنفس": فإن من غير المتنفسات ما هو حيوان. بل علة التنفس[٨] أخص من الحيوانية و هو وجود[٩] الرئة[١٠]. و علة عدم التنفس أعم من عدم الحياة و هو عدم الرئة[١١].
و لكن قوما لشدة تكلفهم دقة الكلام و التقدير فيه، يتباعدون عن العلل القريبة إلى البعيدة، كما قيل إن بلاد الصقالبة ليس فيها زمار إذ ليس فيها كروم. و لو قيل[١٢] إنه ليس فيها خمور لكان عسى قد أديت العلة القريبة في الإغناء عن المطربين. و لكن أعطى علة العلة فلم يوضح المقصود و لم يبرهن.
و قد قيل في التعليم الأول: إنما يمكن أن يكون هذا في الأكثر في علمين إذا كان أحدهما تحت الآخر بمنزلة علم المناظر عند علم الهندسة[١٣]، و علم الحيل عند علم المجسمات، و علم تأليف اللحون
[١] من قوله إن الجدار لا يتنفس إلى قوله الشكل الثاني ساقط في س.
[٢] س و أما.
[٣] س أظهر.
[٤] م له و هو خطأ.
[٥] م بما. و ما خبر ليس.
[٦] س فكذلك.
[٧] س هو أنه.
[٨] م النفس.
[٩] م موجود.
[١٠] موجود في. بخ لا في ب.
[١١] موجود في. بخ لا في ب.
[١٢] س+ بدل ذلك.
[١٣] م، ب الهيئة. و لكن الأقرب أن يدخل علم المناظر تحت علم الهندسة لا علم الهيئة.