الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٨١
و أما هاهنا فنقول على الجملة إن الأسباب[١] أربعة: مبدأ حركة- أي الفاعل و ما في جملته- و الموضوع[٢] و ما في جملته، و الصورة و ما يجري مجراها، و الغاية و هي التمام الذي لأجله يكون ما يكون، و إليه نسوق مبدأ الحركة و ما يجري مجراه.
و قد يتفق أن تجتمع هذه الأسباب كلها لشيء واحد بالذات. و ربما كان الشيء ليس له من الأسباب إلا الفاعل و الغاية فقط كالعقول المفارقة. و ربما كان للشيء جميع هذه الأسباب.
و إذا لم يكن للشيء مادة و حركة فإن الفاعل الذي يقال له إنه فاعل، فبنحو آخر يقال: و تكون نسبته إليه نسبة داخلة في صورته. و كذلك غايته.
فكل ما هو مجرد عن المادة فإنما يمكن أن يعطي من الأسباب ما هو صورته فقط. و تسمى العلوم المختصة بمثله علوما انتزاعية. فمن العلوم الانتزاعية ما انتزاعيته بالذات كالعلوم الناظرة في الموجودات التي صورها مفارقة للمواد على الإطلاق. و منها ما هي انتزاعية بالحد كالعلوم الرياضية. فإن موضوعاتها أمور غير مفارقة الذات للموضوعات، و لكن مفارقة الحدود لها، و ذلك لأن موضوعاتها أمور غير معينة بالنوع: فإن المثلث كما يكون في[٣] خشبة كذلك يكون في[٤] ذهب. فليس تقتضي طباعها موضوعا معينا، بل كيف اتفق. فليس شيء من الموضوعات التي توجد[٥] فيه داخلة في حدودها لهذا السبب.
و أما الصور الطبيعية فإن لكل واحدة[٦] منها مادة ملاءمة لها بالنوع لا يمكن أن توجد تلك الصورة منها مفارقة لها، و لا في مادة أخرى[٧]. فطباع تلك الصورة مختصة بتلك المادة. فلذلك تدخل المواد في حدودها. و الأمور الطبيعية هي التي تجتمع فيها بالذات هذه العلل كلها.
ثم من المعلوم[٨] أن ما كانت الحدود الوسطى في برهانه مأخوذة من علل صورية فقط، فلا يجوز أن يشترك في البرهان عليه علمان- إذا أريد بالبرهان برهان اللم. و أما إذا كانت له
[١] أي لعلل.
[٢] يريد به المادة.
[٣] س: من.
[٤] س: من.
[٥] س: يؤخذ و لعلها تؤخذ.
[٦] س: واحد.
[٧] أي و لا يمكن أن توجد في مادة أخرى.
[٨] م، س: العلوم.