الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٦٧
و لو شئت أن أبين أن هذا لا يكون بالحقيقة و إنما يكون بحسب الظنون لفعلت. و بالجملة يعسر عليهم أن يدلوا على أنه كيف يبرهن على مطلوب محموله أعم، بمتوسط[١] أخص. فيجب إذن أن ننصف و لا نغتر بهذه الأقاويل الملفقة. و نرجع إلى ترتيب التعليم الأول.
و لأن[٢] العلل الذاتية للماهية داخلة في الحد لأنها مقومة لذات الشيء، فهي[٣] داخلة في البرهان، لأنا بينا أن اليقين إنما يكون بمعرفتها. و البحث عن لم هو بحث ما بوجه ما عن ما هو[٤] بعد الوجه الذي ذكرناه أولا. و إذا أعطينا في[٥] الحد الأوسط حد الحد الأكبر، و كان بين الوجود للموضوع، فقد برهنا إذ دللنا على السبب.
و إذا[٦] أوردنا الحد الأوسط الذي هو العلة الذاتية إيرادا في قول الشيء فقد حددنا. مثاله أن يقال: لم كان كسوف القمر؟ فيقال لأن الأرض توسطت بينه و بين الشمس فاحتجب الضوء.
و كلما كان كذلك فإن القمر ينكسف. و الحد الأوسط هو ماهية الكسوف: لأن ماهية كسوف القمر هو انمحاء ضوء القمر[٧] لتوسط الأرض بينه و بين مفيد الضوء- أعني الشمس. و كذلك إذا قيل لم اتفقت هذه النغمة مع هذه النغمة؟ قيل لأن بينهما نسبة عددية، التفاوت فيها بالقوة أو بالفعل مثل أحد العددين. فهذا بعينه ماهية الاتفاق الذي في النغم: لأن اتفاق النغم ائتلاف صوتين عند الحس بسبب نسبة عددية بهذه الهيئة. فالأوسط إذن داخل في الحد هاهنا دخوله في البرهان، و البحث عن لم يطلب الأوسط. أ لا ترى أنا لو كنا نشاهد هيئة انكساف القمر بتوسط الأرض و لو مشاهدة حسية فنكتسب منه بالتجربة دون البرهان علما كليا لكان بحثنا حينئذ عن لم باطلا: إذ كنا وجدنا علة الكسوف؟ فكذلك إذا لم نجده من ذلك الوجه فنحن[٨] إنما نطلب إياه بالقياس.
فإذن المطلوب باللم هو النافع في طلب ما وقع من ذلك.
و ليس إذا أعطينا برهانا فقد أعطينا حدا، و إن كان قد يتوهم فيما سلف من ذكر مشاركة طلب اللم- و هو[٩] طلب البرهان- و طلب ما، و هو طلب الحد، أن البرهان و الحد قد
[١] س لمتوسط.
[٢] م فلأن.
[٣] س و هي.
[٤] س و البحث عن لم هو، بحث بوجه عن ما هو.
[٥] في ساقطة في س.
[٦] م و إن.
[٧] س انمحاء الضوء عن القمر.
[٨] س فيجب.
[٩] س هو بدون الواو.