الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٦٦
هذا كله و رام أن يشكك فيه نفسه أمكنه الشك: كقولهم إن العدل جميل، و إن الظلم قبيح، و إن شكر المنعم واجب. فإن هذه مشهورات مقبولة، و إن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبين بفطرة العقل المنزل[١] المنزلة المذكورة، بل المشهورات هذه و أمثالها منها ما هو صادق و لكن يحتاج في أن يصير يقينا إلى حجة[٢]، و منها ما هو صادق بشرط دقيق لا يفطن له الجمهور.
و لا يبعد أن يكون في المشهورات كاذب. و السبب في اعتقاد المشهورات أخذ ما تقدمنا بالاحتراز عنه عند تمثيلها في الذهن للامتحان. و هذه هي المشهورات المطلقة.
و أما التي[٣] تستند إلى طائفة فمثل ما يستند إلى أمة و إلى أرباب صناعة و تسمى مشهورات محدودة، و مثل ما يستند إلى واحد أو اثنين أو عدد محصور يوثق به و يخص باسم المقبولات.
و اعلم أن جميع الأوليات أيضا مشهورة و لا ينعكس، كما أن جميع المصدق بها متخيل و محرك للخيال و لا ينعكس. و أما المصدق بها على سبيل تسليم غلط فهو أن يسلم المسلم شيئا على أنه أمر آخر لمشابهته إياه و مشاركته في لفظ أو معنى على ما سنبين في موضعه، و هي المقدمات المشبهة، كمن يقول" كل عين باصرة" و يكون ذلك مسلما له من حيث يفهم منه أحد معاني الاسم المشترك، و يأخذ بدله آخر فيحسبه أنه المسلم، أو يقصد به مغالطة حتى يقع في أن يظن بنفسه أو يظن غيره أن الدينار يبصر[٤]. و كذلك من يسلم أن كل مسكر خمر و أخذ بدله ما يسكر بالقوة.
و هذه هي المقدمات المشبهة.
فأما المظنونات فهي التي تظن ظنا من غير وقوع اعتقاد جزم: و ذلك[٥] إما لمشابهتها للأمور المشهورة فتكون مشهورة في بادئ الرأي الغير المتعقب[٦]، فإذا تعقبت علم أنها غير مشهورة مثل قولهم" انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فإن هذا يظن كما يقرع السمع ظنا و يمال إليه ميلا:
ثم إذا تعقب كان المشهور أنه لا يجوز أن ينصر الظالم أخا كان أو ولدا، لكنه في الحال يفعل فعله إلى أن يتعقب. و إما أن يقع بها الظن على سبيل القبول من ثقة: و إما أن يقع
[١] م و المنزل.
[٢] من" صادق" إلى حجة ساقط في م.
[٣] س الذي يستند.
[٤] و ذلك لأن الدينار من ذهب و هم يطلقون عليه اسم" العين" من قبيل الاشتراك اللفظي.
[٥] م ذلك.
[٦] أي الناظر في العواقب أو المفكر إطلاقا.