الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٨٩
للحد الأوسط[١]. و اعتبار الجزء غير اعتبار الكل: فإن المؤلف شيء و ذو المؤلف شيء آخر:
فإن ذا المؤلف[٢] هو بعينه محمول على المؤلف، و أما المؤلف فمحال أن يكون محمولا على المؤلف.
لكن لقائل أن يقول إنه يجوز أن يكون الحد الأكبر غير مقول للأوسط، بل هو أمر لازم له و مع ذلك ليس بمعلول له، بل هو أمر مقارن له، و كلاهما معا في الوجود، و لكليهما علة في الوجود واحدة يشتركان فيها مثل الحال بين الأخ و الأخ. و كيف يمكننا أن نقول إن لزوم وجود الأخ عن الأخ- إذا جعلناه حدا أوسط- لزوم عن علة؟ و مع ذلك فإنه يقيني لا شك فيه. و كذلك إذا علمنا أن هذا العدد ليس بزوج علمنا بتوسطه أنه فرد علما باليقين لا يزول البتة. و ليس ذلك عن علة: فإنه ليس أنه ليس بزوج علة كونه[٣] فردا، بل الأولى أن يكون كونه فردا هو أمر في نفسه علة لكونه ليس بزوج، و هو أمر خارج عن ذاته، إذ هو باعتبار غيره. فيجب أن ننظر في هذه و نحلها فنقول:
أما إذا كان هاهنا أمران ليس أحدهما متعلقا بطبيعة الآخر، بل تعلق أحدهما أو كلاهما بشيء آخر[٤]، فإنه ليس أحدهما يجب بالآخر، بل مع الآخر. و إذا كان كذلك فليس أحدهما يتيقن بالآخر. و أما إذا كان أحدهما علم من جهة العلة، فإن كان الآخر علم أيضا من جهة العلة فتوسيط الأمر الآخر لا يفيد يقينا بذاته، إذ قد حصل ذلك من جهة العلة. و أما إن[٥] كان أحدهما يعلم من جهة العلة و الآخر مجهول[٦] لم يعلم بعلمه، ثم من شأنه أن يعلم به الآخر، فليس بينهما حال الإضافة، فإن المضافين يحضران الذهن معا. و إذا لم يكن كذلك لم يكن هذا جاريا[٧] مجرى الأخ و الأخ إذ كان أحدهما أعرف للأصغر[٨] من الآخر، لكن الآخر الذي هو الأكبر معروف للأوسط. فلو كانت العلة الموجبة للأوسط توجب ذلك أيضا للأصغر، لم يفتقر إلى الأوسط. فإنه إن كان في ذاته بحيث يجب للأصغر بالأوسط- و ليس هو باعتباره بالأوسط وحده في حد الإمكان له- فللأوسط مدخل في عليته، و فرض لا كذلك. و إن كان اعتباره بالأوسط
[١] يعني أن الحد الأكبر و هو" له مؤلف" لا يجوز أن يكون علة للأوسط الذي هو" مؤلف من هيولى و صورة"، بل العلة في الأوسط هو مؤلف الداخلة تحت" ذي المؤلف". و المراد بذي المؤلف كل شيء له مؤلف يؤلفه، و هذا يدخل تحته" المؤلف" ثم يدخل تحت المؤلف" المؤلف من هيولى و صورة".
[٢] م، ب" المؤلف" بدلا من" ذا المؤلف".
[٣] س لكنه.
[٤] س واحد.
[٥] س إذا.
[٦] م محمول.
[٧] لم يكن هذا ساقط في س.
[٨] أي نسبته إلى الأصغر معروفة بصورة أقوى، و كذلك قوله معروف للأوسط معناه معروف نسبته للأوسط.