الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٠
اللحون عند علم العدد، و علم ظاهرات الفلك تحت علم أحكام النجوم- أى أحكام علم الهيئة فإن هذه العلوم تكاد أن يكون الأعلى و الأسفل منهما متواطئ الاسم»[١] و يقول أبو بشر:
فأما فى علمين مختلفين فيكون على نحو آخر: و هذا أن يكون أحد العلمين ينظر فى أحدهما (أى برهان إن و برهان لم) و العلم الآخر في الآخر منهما. و أمثال هذه العلوم هى جميع العلوم التي حال أحدهما (أحدها؟) عند الآخر هى هذه الحال التي أنا واصفها: و هى أن يكون أحد العلمين تحت الآخر بمنزلة علوم (علم؟) المناظر عند الهندسة، و علم الحيل عند علم المجسمات، و علم تأليف اللحون عند علم العدد، و الظاهرات عند علم النجوم. و ذلك أنه كاد أن تكون هذه العلوم متواطئة أسماؤها»[٢] فهنا يبدو الفرق واضحا بين النصين: بين الترجمة الحرفية لنص أرسطو لأبى بشر، و التلخيص الحر لمعانى هذا النص، لابن سينا.
يظهر من كل ما تقدم إذن، أن دعوانا بأن ابن سينا لم يعتمد على ترجمة أبى بشر وحدها، لا تزال قائمة، و أن المقارنة بين ما اقتبسه ابن سينا من أقوال أرسطو بلفظه، و بين نظير ذلك فى ترجمة أبى بشر، قد أتت معززة لهذه الدعوى. أما اتفاقهما فى الحالة الواحدة التي ذكرتها، فقد يكون محض اتفاق بين مترجمين ترجما نصا واحدا.
بقى إذن احتمالان اثنان لا ثالث لهما: الأول، أن ابن سينا إن كان انتفع بترجمة أبى بشر، فقد انتفع بها مع شرح أبى بشر عليها- لا عليها وحدها. الثاني، أنه استعمل الترجمة الأخرى التي عرفها ابن رشد من بعده، و استفاد من الشروح المختلفة التي وضعت على كتاب البرهان الأرسطي، فيما أورده من تعليقات و شروح على النصوص الأرسطية. و إنى إلى هذا الاحتمال أميل.
٣- منهج الكتاب:
لم يلتزم ابن سينا طريقة واحدة فى معالجته لموضوعات كتاب البرهان كلها، و لذا اختلفت فصول كتابه اختلافا بينا فى المنهج و طريقة العرض. فبعض الفصول لا تعدو أن تكون تلخيصا للأفكار
[١] برهان ابن سينا و ١٠٧ أ.
[٢] منطق أرسطو ح ٢ ص ٣٥٢.