الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٠١
بل يجب أن نقول الحق و نعلم أن حد الشيء من جهة ماهيته يتم بأجزاء قوامه و ما ليس خارجا منه. و يتم من جهة إنيته بسائر[١] العلل حتى تتصور ماهيته كما هو موجود[٢] و يتحقق بذلك ما يتقدم ماهيته في الوجود، فيتم به وجوده، فيقع لتلك الماهية حصول به.
فأما إذا أريد النظر إلى نفس الماهية غير معتبر لها ما يلزمها من الوجود- و إن كان لا بد لها من لزوم نوع من[٣] الوجود إياها- كفى في حدها إيراد ما يقومها من حيث هي ماهية.
و ليس نسبة الماهية إلى العلل المفارقة نسبتها إلى اللواحق و العوارض الخاصة و المشتركة، فتلك يتأخر وجودها بالذات عن وجود الماهية. و أما العلل فإن وجودها متقدم على وجود الماهية. فكثير من الأشياء تحد- لا من حيث ذواتها، بل من حيث لها عرض من الأعراض و لاحق من اللواحق[٤] و نسبة من النسب. فربما كان ذلك اللاحق و النسبة يتضمن الغاية فلم يمكن إلا أن تذكر الغاية، كاللبس في حد الخاتم و في حد الملاءة. و ربما كان ذلك يتضمن الفاعل كالاحتراق، فإنه ليس اسما لتفرق أجزاء الشيء و تسودها كيف كان، بل أن يكون عن حرارة.
ثم لقائل أن يقول: ما بال القوى لا تحد إلا بأفعالها و هي أمور خارجة عنها و ليست أسبابا لها بل هي من جملة اللواحق لها، فهل ذلك حد أو رسم؟
فالجواب أن ذلك قد يمكن أن يؤخذ في شرح اسم القوى على وجه رسم، و يمكن أن يؤخذ على وجه حد: فإنه إذا دل في القول المعرف على مجرد نسبة لها إلى أمور خارجة تتبعها كيف كانت، كان رسما. و إذا دل على أن جوهر[٥] تلك القوة و ذاتها أن تكون بحيث يصدر عنها فعل كذا أولا، كان حدا: لأن الحد يقتضي تعريف جوهر الشيء و ذاته، و لا ذات للقوة إلا التي من شأنها أن يصدر عنها فعلها من حيث هي كذلك. و أيضا إذا كانت القوة يصدر عنها فعل أولا و بالذات مثل التمييز في المعقولات و الصناعات و الأخلاق للقوة الناطقة، و أفعال و أحوال تتبعها لأمور تقترن بها لا لذاتها: لأن الذي عن قوة واحدة لذاتها فعل واحد مثل الاستعداد
[١] م كسائر.
[٢] س كما هي موجودة.
[٣] س ساقطة. و معنى الجملة و إن كان لا بد للماهية أن يلزمها نوع ما من الوجود- و هو هنا الوجود العقلي لا الخارجي.
[٤] من اللواحق ساقطة في س.
[٥] س ساقطة.