الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١
مقدمة الناشر
ترددت كثيرا فيما ينبغى أن أكتب و ما ينبغى أن أترك الكتابة فيه- فى هذه المقدمة؛ من المسائل العديدة المتنوعة المتصلة بكتاب البرهان من منطق ابن سينا؛ لأن بعض هذه المسائل- مع أهميتها و جدارة البحث فيها- تتطلب دراسات طويلة عميقة و واسعة قد تخرج بى عن الغرض الذي توخى من مجرد نشر الكتاب نشرا علميا محققا. و لذلك كان لا بد لى من التزام طريق وسط بين الإفراط و التفريط. بين أن أحاول معالجة كل شىء يتصل بالكتاب؛ و بين أن أقف منه موقف الناشر للنص المحقق له و حسب. فاخترت من جملة المسائل الكثيرة التي فكرت فيها ما هو بنص الكتاب ألصق؛ و بتحقيق الغرض المنشور من نشره أوفى. و كانت أولى المسائل التي برزت أهميتها فى نظرى بعد أن أعددت النص و حققته، و شعرت أن من واجبى أن أعالجها فى شىء من التفصيل؛ هى تحليل مادة الكتاب برمته، و عقد مقارنة بينه و بين كتاب البرهان لأرسطو[١] لمعرفة مدى ما أخذه ابن سينا من المعلم الأول؛ و مدى ما استقل به عنه. و قمت بذلك فيما يراه القارئ فى النصف الثاني من هذه المقدمة.
و لما اطلعت على المقدمة القيمة التي صدر بها الدكتور ابراهيم مدكور القسم الأول من منطق ابن سينا- المدخل- و تحدث فيها عن كتاب الشفاء فى جملته؛ من حيث موضوعه و قيمته العلمية و منزلته من بين مؤلفات الشيخ الرئيس؛ و صلته بمؤلفات أرسطو و أثره فى العالم الإسلامى، و العالم المسيحى فى القرون الوسطى، و أسلوب الكتاب و منهجه إلى غير ذلك، أيقنت أنه بذلك كفانى مئونة الحوض فى بعض النواحى التي كنت أعتزم الحوض فيها: على الأقل النواحى العامة التي تصدق على كتاب الشفاء برمته، كما تصدق على كل جزء من أجزائه. و لكن لما كان لكل قسم من أقسام هذه الموسوعة العلمية الضخمة المعروفة بالشفاء طابعه الخاص و ظروفه المعينة، و وحدته الموضوعية، بل و المنهجية مما يتحتم معه التنبيه إلى الخصائص الذاتية المميزة لكل فن من فنون الكتاب،
[١] و هو المعروف بأبوديقطيقا (أى البرهان) أو أنالوطيقا الثانية، و يسمى أحيانا أنالوطيقا الأواخر و التحليلات الثانيةanalytica posteriora .