الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٨
متى وحدها، فأمر لا أكاد أصدقه أو أتصوره، لأنها ترجمة حرفية مستغلقة المعنى، مستحيلة:
الفهم، مجافية للذوق العربى، خارجة على أبسط قواعد اللغة.
و قد عرف القدماء لهذا المترجم- مع علو كعبه فى المنطق- هذه العجمة و هذه الركاكة فى التعبير، فوصفوه بما يستحق أن يوصف به. يقول فيه ابن النديم: «و كتبه مطرحة مجفوة لأن عباراته كانت عفطية غلقة»[١]. و فى اعتقادى أنه أسوأ مترجمى «الأرجانون» على الإطلاق إذا قورن بإسحاق بن حنين الذي نقل «المقولات» و «العبارة» أو بأبى عثمان الدمشقى الذي نقل «الجدل» أو غيرهما. لهذا أعتقد أنه من المستحيل أن تلك الترجمة الغلقة التي نعرفها له كانت وحدها مصدر كتاب البرهان الذي عرض ابن سينا مادته عرضا واضحا مفهوما، اللهم إلا إذا استعان على فهمها بشرح أبى بشر نفسه أو شرح آخرين. غير أن هذه دعوى يعوزها التدعيم من جانب آخر، و لذا أخذت أقارن بين النصوص الأرسطيه التي اقتبسها ابن سينا فى كتابه اقتباسا مباشرا و نص على أنها من أقوال المعلم الأول بلفظها، و بين نظائرها فى ترجمة أبى بشر، على أجد مطابقة بينها فلم أجد هذه المطابقة تامة إلا فى حالة واحدة هى الآتية:
يقول ابن سينا. و اعلم أنه لما سمع ما قيل فى التعليم الأول حيث قيل ما قيل. «فجميع التي يأخذها و هى مقبولة من حيث لم يتبينها، إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم فإنما يضعها وضعا، و هى أصل موضوع: أعنى الوضع لا على الإطلاق، لكنها عند ذلك فقط. فأما إن هو أخذه من حيث ليس فيه بعينه و لا ظن واحد، أو من حيث ظنه على ضد، فإنما يصادر عليه مصادرة»[٢].
و هذه الفقرة واردة بحذافيرها و بنصها فى الترجمة العربية لأبى بشر[٣] و ليس بين النصين من فرق سوى أن قوله «إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم» يقابله فى نص أبى بشر «إن كان أخذه لها هو مظنونا عند المتعلم». و مراده بقوله «لها» الأقوال الموضوعة.
[١] الفهرست ط مصر ص ٣٦٧: و العفطى بالكسر الألكن.
[٢] انظر و ٩٦ ب من برهان ابن سينا.
[٣] منطق أرسطو ح ٢ ص ٣٤٠ و هذه الفقرة ترجمة للنص الأرسطي الوارد فى ٧٦ ب ٢٥-.