الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٠٦
عند علم العدد، و علم ظاهرات الفلك تحت أحكام النجوم- أي أحكام علم الهيئة: فإن هذه العلوم يكاد أن يكون الأعلى و الأسفل منهما[١] متواطئ الاسم. و إنما قيل" يكاد" و لم يقل بالحقيقة، و ذلك لأن العلمين من هذين ينسبان إلى شيء واحد من وجه: فإن الظاهرات و علم الهيئة كلاهما ينظر في حال الأجرام و الأبعاد. و كذلك النجوم التعليمي و نجوم أصحاب الملاحة، فإن كليهما ينظر[٢] في مواضع النجوم. و تأليف اللحون التعليمي و تأليف اللحون السماعي كلاهما ينظر[٣] في حال النغم. و كذلك علم المناظر و علم الهندسة ينظران في أشكال و خطوط و مقادير.
و كذلك علم الحيل و علم المجسمات ينظران في مقادير ذوات عمق.
فلهذا الاشتراك الذي[٤] لها تشبه[٥] المتواطئة و لكن ليست بالحقيقة متواطئة لسببين:
أحدهما أن العلمين في بعض الأصناف المذكورة لا يشتركان في النسبة اشتراكا تاما: فإن علم الموسيقى ينظر في عدد ما بحال، و هو عدد وقع في نغم. و علم المناظر ينظر في مقادير ما بحال و هي مقادير ما للبصر إليها نسبة. و علم[٦] الحساب ينظر في العدد على الإطلاق، و علم الهندسة ينظر في المقادير على الإطلاق.
و الوجه الثاني أنهما و لو اشتركا في المنظور فيه و استقرت نسبتهما إليه من جهة كمية المنسوب إليه و كيفيته، فليست النسبة معا، بل لبعضها أولا و لبعضها آخرا[٧]- و هذا يمنع التواطؤ الصرف- و إن اشتركت أشياء في المعنى إذا لم تتساو فيه، بل اختلفت بالتقديم[٨] و التأخير و الاستحقاق أو النقصان و الزيادة كما تبين لك من قبل. و لما كادت تكون هذه من المتواطئة أسماؤها شابهت بوجه ما العلم الواحد فشاركت بوجه ما في المسائل لكن اختلفت، فإن العلم الأعلى يعطي اللم و العلم الأسفل يعطي الإن على نحو ما كنا نحن أنفسنا أوضحناه في موضعه.
ثم قيل: و ذلك لأن العلم بإن هو لمن يحس بالأمر، فأما العلم بلم فهو لأصحاب التعاليم. معناه أن العلم" بإن هو" للملاح[٩] و العلم" بلم هو" للمنجم. و العلم" بإن هو" للمتدرب في صناعة الموسيقى
[١] هكذا في المخطوطات و الأفضل منها.
[٢] ب، م ينظران، و الأصح الأفراد: قال تعالى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها و لم يقل آتتا.
[٣] ينظر في المخطوطات الثلاثة.
[٤] س ساقطة.
[٥] م نسبة و س غير منقوطة.
[٦] م علم بدون الواو.
[٧] م، ب أخيرا.
[٨] س بالتقدم و التأخر.
[٩] س للملاحة.