الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٧٨
و لو لا ذلك لكان بالحري أن يبرهن على أحوال الخطوط التي تؤخذ[١] في المناظر، و أحوال الأعداد التي تؤخذ[٢] في الموسيقى، لا في علمي المناظر و الموسيقى، بل في علمي الهندسة و الحساب [١٠٤- ا]، و تعد نتائجها لأصحاب المناظر و الموسيقى. و لكن لما كانت المنة[٣] الإنسانية قاصرة عن[٤] معرفة جميع المقدمات التي تتفق إليها[٥] في المناظر و الموسيقى حاجة ما- إذ كان ذلك كثيرا جدا- لم يمكن إعدادها إعدادا مستوفى، بل أعد من ذلك ما تفتقر إليه الأصول دون الفروع، أو تفتقر إليه الأصول المشعور بها دون أصول يشعر بها بعد.
فلما أوقع الإمعان في الاستنباط حاجة إلى مقدمات أخرى كسل عن أن تفرد عن العلمين[٦] و تلحق بالعلم الذي هو منه. و لنرجع إلى ذكر اختلاف معونة العلمين على[٧] اللم و الإن فنقول[٨]:
أما العلمان المختلفان في العلو و الدنو ففي الأكثر إنما يتم البرهان المعطي للم من العلم الأعلى للأسفل بأن يعطي الأعلى الأسفل[٩] مقدمات تؤخذ مبادئ البرهان. و من هذا القبيل أيضا أن يكون في أحدهما برهان حده الأوسط علة ما، و في الثاني برهان آخر حده الأوسط علة ما أخرى قبل تلك العلة- و هو علة العلة. فيكون الأسفل لم يعط العلة بالتمام.
و كثيرا ما تكون أمثال هذه المسائل مرددة في العلمين. و السبب في ترديدها قصور من الناس عن المبالغة في التمييز. مثاله أن العلم الطبيعي و الفلسفة الأولى يشتركان في النظر في تشابه الحركة الأولى و ثباتها[١٠]. لكن العلم الطبيعي يعطي العلة التي هي الطبيعة التي لا ضد لها، و المادة البسيطة التي لا اختلاف فيها، فيمنع أن يعرض فساد أو تغير. و الفلسفة الأولى تعطي العلة الفاعلة المفارقة التي هي الخير المحض و العقل المحض، و العلة الغائية الأولى التي هي الوجود[١١] المحض. و البرهان في العلمين مختلفان[١٢]، لكن العلم الطبيعي مع أنه أعطى برهانا ما فإنه لم يعط
[١] م: توجد، و المراد تؤخذ أي تدرس و تعالج و الضمير عائد على أحوال الخطوط لا على الخطوط و أحوال الأعداد لا على الأعداد.
[٢] م: توجد، و المراد تؤخذ أي تدرس و تعالج و الضمير عائد على أحوال الخطوط لا على الخطوط و أحوال الأعداد لا على الأعداد.
[٣] المنة بضم الميم: القوة.
[٤] س على: و هو خطأ.
[٥] تتفق إلينا حاجة أي تصادف حاجة إليها.
[٦] م: كسل عن أن يفرد عن العالمين، س: كسل أن يفرد من العلمين.
[٧] ساقط في س.
[٨] ساقط في س.
[٩] س: للأسفل.
[١٠] ب، م: و بيانها.
[١١] س: الجواد.
[١٢] هكذا في المخطوطات الثلاثة و الأصح مختلف.