الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٦٤
أو تكون ضرورته باطنية. و الضرورة الباطنية إما أن تكون عن العقل، و إما أن تكون خارجة عن العقل و لقوة أخرى غير العقل. فأما[١] الذي عن العقل فإما أن يكون عن مجرد العقل، أو عن العقل مستعينا فيه بشيء. و الذي عن مجرد العقل فهو الأولي الواجب قبوله: كقولنا الكل أعظم من الجزء. و أما الذي عن العقل مع الاستعانة بشيء: فإما أن يكون المعين غير غريزي في العقل فيكون هذا التصديق واقعا بكسب فيكون بعد المبادي، و كلامنا في المبادي.
و إما أن يكون المعين غريزيا في العقل أي حاضرا- و هو الذي يكون معلوما بقياس حده الأوسط موجود بالفطرة و حاضر[٢] للذهن. فكلما أحضر المطلوب مؤلفا من حدين أكبر و أصغر تمثل هذا الوسط بينهما للعقل من غير حاجة إلى كسبه. و هذا مثل قولنا: إن كل أربعة زوج:
فإن من فهم الأربعة و فهم الزوج تمثل له أن الأربعة زوج، فإنه في الحال يتمثل أنه منقسم بمتساويين. و كذلك كلما تمثل للذهن أربعة، و تمثل الاثنان، تمثل[٣] في الحال أنها ضعفه لتمثل الحد الأوسط. و أما إذا كان بدل ذلك ستة و ثلاثون[٤] أو عدد آخر، افتقر الذهن إلى طلب الأوسط.
فهذا القسم الأولى به أن يسمى مقدمة فطرية القياس.
و أما الذي هو خارج عن العقل فهو أحكام القوة الوهمية التي يحكم بها جزما و بالضرورة الوهمية إذا كانت تلك الأحكام[٥] في أمور ليس فيها للعقل حكم أولي. و تلك الأمور مع ذلك خارجة عن المحسوسات فيضطر الوهم النفس إلى حكم ضروري فيها كاذب، إذ يجعلها في أحكام ما يحس، مثل حكم النفس في أول ما يوجد مميزه[٦]، و قبل أن تثقف بالآراء و النظر، أن كل موجود فهو في مكان أو في حيز مشار إليه، و أن الشيء الذي ليس في داخل العالم و لا في خارجه فليس بموجود. فإن النفس تحكم بهذا بالضرورة، و لا يكون العقل هو الموجب لهذا، و لكن يكون ساكتا[٧] عن هذا. ثم إذا نظر العقل النظر الذي يخصه، و ألف قياسات من مقدمات مشتركة القبول بين العقل و بين قوى أخرى- إن كان لها حكم في القبول و التسليم- أنتج أن للمحسوسات[٨] مبادئ مخالفة للمحسوسات. فإذا انتهى النظر إلى النتيجة مانعت القوة التي تحكم
[١] م، ب و أما.
[٢] م، ب موجودا و حاضرا.
[٣] س ساقطة.
[٤] في المخطوطات الثلاثة ستة و ثلاثين أو عددا آخر.
[٥] س الأحوال.
[٦] هكذا في المخطوطات. و لعلها توجد مميزة، أي توجد النفس مميزة بمعنى يحصل لها التمييز و إدراك الأشياء في مرحلة الطفولة.
[٧] م ساكنا.
[٨] م المحسوسات.